facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ماذا سنترك لهم؟


د. صالح سليم الحموري
13-09-2026 09:14 AM

حين نتحدث عن مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة، غالبًا ما نفكر في سؤال بسيط: ماذا سنترك لهم؟

كم من المال؟ كم من المشروعات؟ كم من الطرق والمباني والمؤسسات؟

لكن ربما يكون السؤال الأهم مختلفًا تمامًا:

كم خيارًا سنترك لهم؟

فالجيل الذي يرث اقتصادًا متينًا، ومؤسسات فعالة، وموارد طبيعية محفوظة، وتعليمًا جيدًا، وبنية تحتية قابلة للتطوير، لا يرث أصولًا فقط… بل يرث حرية الحركة.

يستطيع أن يستثمر.

أن يواجه أزمة.

أن يغيّر اتجاهه.

أن يجرّب فكرة لم نفكر نحن فيها.

أما الجيل الذي يرث ديونًا ضخمة، وبنية تحتية متقادمة، وموارد مستنزفة، ومؤسسات بطيئة، ومهارات لم تعد مناسبة لعصره، فلن يبدأ مستقبله من نقطة الصفر؛ بل سيبدأ من نقطة سالبة، وسيستهلك جزءًا كبيرًا من وقته وموارده في معالجة ما تركناه له.

وهنا تظهر مسؤولية القيادة بين الأجيال: ألا نحل مشكلات حاضرنا بإغلاق خيارات المستقبل.

وهذا لا يعني أن نتوقف عن اتخاذ القرارات خوفًا من الغد. فالدول لا تُبنى بالتردد، والمدن لا تُشيَّد بلا التزامات طويلة الأجل، والاستثمارات الكبرى بطبيعتها ترسم مسارات تمتد لعقود.

لكن الفرق كبير بين قرار يبني قدرة للمستقبل، وقرار يستهلك المستقبل لتمويل الحاضر.

لذلك، ربما نحتاج قبل كل قرار استراتيجي كبير إلى ما أسميه "اختبار الأجيال الخمسة".

خمسة أسئلة فقط:

ماذا نعطي الجيل الحالي؟

ماذا نترك للجيل التالي؟

ماذا نستهلك اليوم ولن يستطيعوا استعادته بسهولة؟

ماذا سيحدث لهذا القرار إذا تغير المستقبل؟

وبعد عشرين عامًا… هل سيكون لدى من يأتي بعدنا خيارات أكثر أم أقل؟

هذه الأسئلة لا تقدم إجابة جاهزة، لكنها تفعل شيئًا أهم: تُخرج القرار من حدود الموازنة السنوية، ودورة الإدارة، ولحظة الافتتاح، وتضعه على خط زمني أطول من وجودنا نحن في مواقع المسؤولية.

فنحن نحب لحظة افتتاح المشروع.

الصورة واضحة، والأرقام جاهزة، والإنجاز قابل للاحتفال.

لكن الأجيال القادمة لن تعيش لحظة الافتتاح التي احتفلنا بها.

هي ستعيش ما بقي بعدها.

ستسأل: هل ما زال هذا المشروع مفيدًا بعد عشرين عامًا؟ هل يمكن تطويره؟ كم يكلف تشغيله؟ هل ما زالت هناك حاجة إليه؟ وهل القيمة التي صنعها تبرر الموارد التي استهلكها؟

لهذا، ربما يكون من علامات النضج المؤسسي أن نحتفي بإطالة عمر أصل قائم وتطويره، كما نحتفي ببناء أصل جديد؛ وأن نقيس نجاح المشروع بما يبقى منه، لا بما قيل عنه يوم افتتاحه.

فالقيادة الحقيقية ليست إدارة الحاضر فقط.

إنها أن تجلس اليوم على كرسي القرار، وفي ذهنك شخص لن تقابله أبدًا… قائد سيأتي بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، ومواطن لم يولد بعد، وطفل سيعيش نتائج قرار اتخذناه نحن.

عندها يصبح السؤال الأخلاقي للقيادة مختلفًا:

هل تركنا لهم دولة أكثر قدرة على الاختيار؟

أم تركنا لهم قائمة طويلة من الالتزامات التي اختارها جيلنا نيابةً عنهم؟

فالأجيال القادمة لن تحاسبنا على عدد المشروعات التي افتتحناها، ولا على حجم ما أنفقناه.

ستعيش ببساطة داخل الخيارات التي أبقيناها لها… والخيارات التي أغلقناها عليها.

ولهذا، قبل أن نسأل: ماذا سنترك لهم؟

علينا أن نسأل أنفسنا بشجاعة أكبر:

ماذا نأخذ منهم اليوم… دون أن يكونوا هنا ليقولوا لنا: لا؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :