الحرب حربكم .. والأردن ليس ميدانكم
الدكتورة ميس حياصات
13-09-2026 05:44 PM
من يوجّه صاروخًا نحو الأردن لا يختبر موقعًا على الخريطة، بل يختبر دولةً تعرف أن سيادتها لا تُستباح. فالأردن ليس ميدانًا لحروب الآخرين، ولا منصةً لتبادل الرسائل النارية، ولا جغرافيا مباحةً لتصفية حسابات الإقليم. ومن يقرأ ضبط النفس الأردني ضعفًا، عليه أن يعيد قراءة المشهد من جديد.
الأردن لم يختر هذه الحرب، ولم يكن طرفًا في إشعالها، لكنه لن يقبل أن يدفع ثمنها. فاستهداف أراضيه أو اختراق أجوائه ليس تفصيلًا هامشيًا في صراع إقليمي، بل مساس مباشر بأمن المملكة وسيادتها وسلامة مواطنيها. ورفض الاستهداف ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل تأكيد على حق الدولة في حماية قرارها الوطني.
فالسيادة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها وأجوائها، وإنما بقدرتها أيضًا على حماية قرارها من أن يصبح رهينةً لصراعات الآخرين. والدولة التي لا تسمح بفرض معركة على أرضها، لا تسمح كذلك بأن تُسحب إلى مواجهة لا تخدم أمنها ومصالحها الوطنية. وهنا تتجلى قيمة استقلال القرار الأردني.
وفي مواجهة التهديد، تقف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خط الدفاع الأول عن الدولة. ومهمتها ليست خوض حروب الآخرين، وإنما منع الآخرين من فرض حروبهم على الأردن. فالرصد والاعتراض والإنذار المبكر والجاهزية ليست مجرد قدرات عسكرية، بل أدوات لحماية الأمن والسيادة، وضمان ألا يُترك الأردن للصدفة أو لحسابات الآخرين.
وهنا تبرز أهمية الرؤية الملكية للجيش العربي؛ رؤية تستشرف طبيعة حرب المستقبل، بما تحمله من مسيّرات وصواريخ وحرب إلكترونية وتهديدات هجينة. ولذلك فإن تطوير القوات المسلحة ورفع جاهزيتها وتحديث منظوماتها ليست إجراءات منفصلة، بل منظومة متكاملة عنوانها الردع الاستراتيجي.
والأردن لا ينتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابه، بل يعمل على استشرافه واكتشافه مبكرًا والاستعداد له. فالردع يبدأ قبل إطلاق الصاروخ، وليس بعد سقوطه. والردع ليس رغبة في الحرب، والاستعداد ليس إعلانًا عنها، وضبط النفس ليس عجزًا عن الرد، بل خيار دولة تعرف متى تستخدم قوتها وكيف تحمي مصالحها. فالقوة التي تمنع الحرب هي في حقيقتها أداة لحماية السلام.
ولا تنفصل القوة العسكرية عن قوة الموقف السياسي. فالدولة التي تحمي مجالها وأمنها، وتحافظ في الوقت ذاته على علاقاتها وتوازناتها، هي دولة تدير موقعها الجغرافي ولا تسمح لموقعها بأن يدير قرارها. والأردن يعرف أن حماية المصالح الوطنية لا تكون بالصوت الأعلى، وإنما بحساب دقيق للمواقف، وبقرار مستقل يضع أمن المملكة فوق أي اعتبار.
الأردن، بحكم موقعه، لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه يستطيع أن يغيّر حسابات من يفكر في استهدافه. فموقعه قد يكون حساسًا، لكن أمنه ليس هشًا، واستقراره ليس مساحة مفتوحة لحسابات الإقليم.
وهذا ما يجعل الرسالة الأردنية واضحة: نحن لا نبحث عن التصعيد، لكننا لا نقبل الاستباحة؛ لا نريد الحرب، لكننا لا نسمح بأن تُفرض علينا؛ نمد اليد للسلام، لكننا نعرف أن السلام لا يُحمى بالتمني، وإنما بالقدرة والقرار والجاهزية.
لذلك، فإن الرسالة الأردنية يجب أن تصل إلى الجميع: حروبكم ليست حربنا، وحساباتكم ليست حساباتنا، وصراعاتكم لا تمنحكم حق تعريض الأردنيين للخطر، ولا تمنحكم حق المساس بقرار الأردن وسيادته.
اتركوا الأردن خارج النار. فهذا البلد اختار السلام، لكنه لم يختر الضعف، واختار الاعتدال، لكنه لم يتنازل عن السيادة. لا يحتاج الأردن إلى إعلان الحرب كي يثبت قوته؛ يكفي أن يمتلك القدرة التي تمنع الآخرين من فرضها عليه، وأن يبقى قراره الوطني بيده.
فالحرب حربكم.. والأردن ليس ميدانكم.