أمن السعودية من أمن الأردن والأمة العربية
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
13-09-2026 07:42 PM
نقف اليوم بكل وضوح وثبات إلى جانب الشعب السعودي الشقيق وقيادته وحكومته في مواجهة أي عدوان غاشم يستهدف سيادة المملكة العربية السعودية أو أمن شعبها وسلامة أراضيها ومنشآتها ومقدراتها الوطنية. فالاعتداء على دولة عربية شقيقة لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثاً معزولاً أو شأناً يخص المملكة وحدها، وإنما هو مساس بأمن المنطقة واستقرارها، وتهديد لمنظومة الأمن العربي بأكملها.
لقد عُرفت المملكة العربية السعودية تاريخياً بأنها دولة تسعى إلى السلام والاستقرار، وتنتهج سياسة تقوم على احترام سيادة الدول، وتفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية، وتجنب الانجرار إلى الصراعات كلما كان ذلك ممكناً. ولم تكن المملكة يوماً دولة تبحث عن الحروب أو المغامرات العسكرية، بل كانت في كثير من المحطات العربية والإقليمية طرفاً أساسياً في جهود التهدئة والمصالحة واحتواء الأزمات.
لكن التمسك بالسلام لا يعني التنازل عن حق الدولة في حماية شعبها وأرضها ومصالحها. ومن حق المملكة، وفق ما تقرره قواعد القانون الدولي، الدفاع عن نفسها وحماية أمنها وسيادتها في مواجهة أي اعتداء مسلح. فسيادة الدول ليست موضع مساومة، وأمن الشعوب ومقدراتها ومنشآتها لا يجوز أن تكون أهدافاً لأي جهة تسعى إلى توسيع دائرة الصراع وزعزعة أمن المنطقة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي قامت به المملكة على مدى عقود في دعم الدول والشعوب العربية، سواء من خلال مواقفها السياسية أو مساعداتها الإنسانية والتنموية أو مساهمتها في دعم جهود الاستقرار وإعادة البناء. ولم يقتصر هذا الدور على دولة عربية بعينها، بل امتد إلى مختلف أرجاء الوطن العربي، انطلاقاً من إدراك سعودي لأهمية التضامن العربي وضرورة المحافظة على استقرار دول المنطقة وشعوبها.
وفي خضم الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، تبرز أهمية النهج الذي تقوده المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان. وهو نهج يقوم على العقلانية والحكمة والانضباط والتريث في التعامل مع الأحداث، وعلى الموازنة بين حماية المصالح الوطنية وعدم الانجرار إلى مواجهات وصراعات لا تخدم شعوب المنطقة ومستقبلها.
إن الحكمة السياسية لا تعني الضعف، وضبط النفس لا يعني التخلي عن الحقوق. بل إن قدرة الدولة على اختيار الموقف والأداة والتوقيت المناسب للدفاع عن مصالحها وسيادتها هي أحد مؤشرات قوة مؤسساتها ونضج قرارها السياسي. والمملكة، بما تمتلكه من ثقل عربي وإسلامي واقتصادي وسياسي، تمثل ركناً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي والعربي.
ومن الأردن، فإن موقفنا تجاه أمن المملكة العربية السعودية لا يمكن أن يكون موقفاً محايداً أو بعيداً. فالعلاقات الأردنية السعودية تتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين الدول؛ إذ تجمع الشعبين روابط تاريخية واجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، ويجمع البلدين إدراك راسخ بأن أمن المنطقة مترابط، وأن أي تهديد تتعرض له إحدى الدولتين ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها الجغرافية.
ولعل ما يمنح هذه العلاقة خصوصيتها أنها ليست مجرد علاقة مصالح سياسية واقتصادية، بل علاقة أخوة وقرابة ومصير مشترك ضاربة بجذورها في التاريخ والهوية العربية. فنحن والسعوديون أبناء عمومة، تجمعنا روابط الدم والنسب والجوار والتاريخ، قبل أن تجمعنا الحدود والمصالح والاتفاقيات. كما أن العلاقات الأخوية الراسخة بين القيادة الهاشمية في الأردن والقيادة السعودية الشقيقة تعكس عمق الصلة بين البلدين والشعبين، وتؤكد أن أمنهما واستقرارهما مترابطان.
ولهذا فإننا في الأردن ننظر إلى أمن المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من أمننا الوطني وعمقنا الاستراتيجي. واستقرار السعودية قوة للأردن، كما أن استقرار الأردن يشكل عنصراً مهماً في أمن محيطه العربي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن نقبل أو نرضى بأي اعتداء يستهدف الأراضي السعودية أو شعبها أو منشآتها ومقدراتها الوطنية.
إن وقوف الأردنيين إلى جانب المملكة في مواجهة أي اعتداء ليس موقفاً سياسياً فرضته الظروف، ولا موقفاً دبلوماسياً تحكمه المصالح الآنية؛ إنه موقف أخ تجاه أخيه، وشعب تجاه شعب شقيق، ودولة ترى في أمن شقيقتها امتداداً لأمنها الوطني والقومي.
لقد أثبتت العقود أن الأردن والسعودية كانا، في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً، ركيزتين للاعتدال والاستقرار والحكمة في المنطقة. وفي ظل ما يحيط بعالمنا العربي اليوم من أزمات ومخاطر، تصبح المحافظة على هذه العلاقة وتعزيزها مسؤولية استراتيجية تتجاوز البلدين إلى مستقبل المنطقة العربية بأسرها.
ورسالتنا من الأردن إلى أشقائنا في المملكة واضحة لا تحتمل التأويل: أمن السعودية من أمن الأردن، واستقرارها من استقرارنا، وأي اعتداء على سيادتها يمس عمقنا العربي والاستراتيجي. نحن والسعوديون أهل وأشقاء وأبناء عمومة، والقيادة الهاشمية والقيادة السعودية الشقيقة تجمعهما روابط راسخة ومسؤولية مشتركة تجاه أمن البلدين واستقرار المنطقة.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وشعبها، وحفظ الأردن وشعبه، وأدام بين الشعبين والقيادتين روابط الأخوة والمحبة، وجنّب أمتنا العربية الحروب والفتن، وحفظ لها أمنها وسيادتها واستقرارها.