حين يقول أمين عام وزارة التربية والتعليم إن (الأمر لا يُترك للعامة، بل يُترك لأهل الخبرة والاختصاص) ، فإن أول ما يستوقفنا ليس مضمون العبارة، بل السؤال الذي تفرضه علينا: ومن هم العامة الذين يُراد إقصاؤهم عن شأن يمس أبناءهم ومدارسهم ومستقبلهم؟
يا سعادة الأمين العام، التربية والتعليم ليست شأناً مغلقاً على مكاتب الخبراء، ولا ملفاً تقنياً لا يحق للمجتمع أن يسأل عنه. إنها قضية وطنية تمس كل بيت، وكل طالب، وكل معلم، وكل أب وأم، وكل مواطن يدفع من ماله ووقته ومستقبل أبنائه ثمن القرارات التعليمية.
نحن لا نعترض على أهل الخبرة والاختصاص، بل نطالب بهم ونحترمهم. لكن الخبرة لا تمنح صاحبها حق احتكار الحقيقة، والاختصاص لا يعني أن بقية المجتمع بلا عقل أو رأي أو تجربة.
فالمعلم الذي يقف يومياً أمام عشرات الطلبة أهل خبرة.
والأب الذي يرى أثر القرار على ابنه صاحب مصلحة وصوت.
والطالب الذي يعيش نتائج السياسات التعليمية ليس رقماً في جدول.
والمجتمع الذي تُبنى أجياله داخل منظومة التعليم ليس «عامة» يُطلب منها الصمت.
ثم إن السؤال الأهم: من يحدد من هم العامة ومن هم الخاصة؟
هل الخاصة هم أصحاب المناصب فقط؟
هل يصبح الإنسان خبيراً بمجرد جلوسه خلف مكتب رسمي؟
وهل يفقد المعلم أو ولي الأمر أو الأكاديمي أو الباحث أو المواطن حقه في إبداء الرأي لمجرد أنه لا يحمل لقباً إدارياً؟
إذا كان المقصود أن القرارات الفنية تحتاج إلى مختصين، فهذا أمر لا خلاف عليه. لكن إذا تحولت هذه الفكرة إلى ذريعة لإسكات المجتمع، فهنا يصبح الأمر مختلفاً تماماً.
الخبراء يُستشارون، لكن المجتمع لا يُستبعد.
والدولة الحديثة لا تخاف من الأسئلة، ولا تعتبر النقد تعدياً على الاختصاص. بل تعرف أن القرار الأقوى هو القرار الذي يُناقش قبل أن يُفرض، والذي يسمع من الميدان قبل أن يصدر من المكتب.
ومن المؤسف أن تُستخدم كلمة العامة وكأنها وصف للنقص، بينما الحقيقة أن هؤلاء العامة هم الذين يحملون الدولة في تفاصيل حياتهم اليومية.
هؤلاء العامة هم الذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس.
وهم الذين يتابعون تراجع التحصيل أو تحسنه.
وهم الذين يشاهدون ازدحام الصفوف ونقص المعلمين وتبدل التعليمات.
وهم الذين يدفعون ثمن أي قرار صائب، كما يدفعون ثمن أي قرار خاطئ.
فإذا كان هؤلاء عامة فمن الذي جعلهم خارج دائرة الشأن العام؟
ثم إن الاختصاص الحقيقي لا يخشى النقاش، والخبرة الحقيقية لا تحتاج إلى جدار من التعالي يحميها.
الخبير الواثق من علمه يستطيع أن يشرح، ويقنع، ويجيب، ويقبل النقد.
أما أن يُقال للناس: أنتم عامة، اتركوا الأمر لأهل الاختصاص، فهذه ليست إجابة عن سؤال، وإنما هروب من حق المجتمع في المعرفة والمساءلة.
نحن لا نريد أن يحكم الشارع وزارة التربية، ولا نطالب بأن تُدار المؤسسات بالعاطفة أو بالانطباعات. نحن نريد شيئاً أكثر بساطة ووضوحاً:
نريد قراراً يستند إلى العلم، ويستمع إلى الميدان، ويحترم المجتمع، ويقبل النقد، ويخضع للمساءلة.
فلا تجعلوا (الاختصاص) سوراً حول القرار، ولا تجعلوا (العامة) شماعة لإسكات من يختلف معكم
وفي النهاية، يا سعادة الأمين العام:
من العامة أيتها الخاصة؟
إن كان المقصود بالعامة كل من لا يحمل منصباً، فنحن نفخر بأننا من هؤلاء العامة؛ لأن بينهم المعلم، والطبيب، والمهندس، والمحامي والأستاذ الجامعي، والكاتب، والباحث، وولي الأمر، والطالب، والعامل، وكل مواطن شريف له عقل وتجربة وحق في أن يسأل.
أما إن كان المقصود أن المواطن لا يحق له الكلام في شأن يمس أبناءه ومستقبل وطنه، فهذه ليست قضية اختصاص، بل قضية حق ومسؤولية وشراكة وطنية.
فالتربية ليست ملكاً للوزارة وحدها
والمدرسة ليست ملكاً للمسؤول
والطالب ليس ملكاً للقرار،
والوطن ليس حكراً على الخاصة.
أنتم أهل اختصاص و الناس أهل وطن.
والاختصاص لا يلغي المواطنة والمواطنة لا تحتاج إلى إذن كي تتكلم.
والذي يثق بخبرته لا يطلب من الناس أن تصمت، بل يقول لهم:
اسألوا، ناقشوا، انتقدوا... ثم دعونا نقنعكم بالدليل.
وهنا فقط تكون التربية تربية والإدارة إدارةوالدولة دولة مؤسسات.
ولترد الخاصة على قرار دولة مصر بعدم اعتماد شهادة الثانوية العامة الأردنية والا تكون الخاصة معرضة للمساءلة القانونية استناد للصلاحية الممنوحة لها ونتائج قرارتها الخاطئة.