لم يبقَ إلا أن نضيف التسول إلى قائمة المنتجات السياحية في الأردن، ونقول للسائح: لا تكتمل زيارتك للمملكة من دون أن تقف عند إشارة مرور، فتجد من يطرق زجاج سيارتك طالبًا المال! قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تعكس مشهدًا أصبح مألوفًا إلى درجة يصعب تجاهله.
التسول لم يعد حالة فردية أو مشهدًا عابرًا. أصبح ظاهرة منتشرة في الشوارع والإشارات والأسواق ومداخل المحال، وبعض الوجوه أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد اليومي. وأنا شخصيًا ما زلت أرى بعض المتسولين في المواقع نفسها منذ سنوات طويلة، وكأن المكان أصبح مقر عمل ثابتًا لا يتغير.
والأمر الأكثر إزعاجًا أن التسول لم يعد دائمًا طلبًا هادئًا للمساعدة. أحيانًا يتحول إلى ضغط واستفزاز، من طرق على زجاج السيارة إلى عبارات أو تصرفات غير لائقة عندما يرفض الشخص الدفع. ويزداد المشهد قسوة عندما يكون الأطفال أو كبار السن أو ذوو الإعاقة جزءًا منه، خصوصًا إذا كانوا يتعرضون للاستغلال.
حتى التسول نفسه يبدو أحيانًا وكأنه أصبح له «سوق» ومواقع ونفوذ؛ متسول يعرف منطقته، وآخر يُدفع إلى شارع جانبي، وكأننا أمام مهنة لها قواعدها غير المكتوبة!
لسنا بحاجة إلى مزيد من العبارات الرنانة عن «التفكير خارج الصندوق». ما نحتاجه هو أن نتوقف قليلًا أمام هذه الظاهرة، وأن ننظر إليها باعتبارها قضية اجتماعية وإنسانية وأمنية تستحق المعالجة الجادة.
التسول ظاهرة لا تليق بصورة الأردن ولا بشوارعه ولا بأهله، ولذلك آن الأوان أن يحظى هذا الملف بالاهتمام الذي يستحقه، قبل أن يصبح مشهدًا نعتاد عليه ونعتبره جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية.