facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا يختار الإنسان أن يكون ظالمًا؟


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
16-09-2026 12:15 AM

من أصعب الأسئلة التي قد يطرحها الإنسان على نفسه: لماذا يختار شخص أن يكون ظالمًا، وهو قادر على أن يكون عادلًا؟ ولماذا يؤذي إنسانًا عاش معه، أو أحبه، أو وثق به، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يحدث؟

الحقيقة أن معظم الناس لا يستيقظون صباحًا ويقررون أنهم سيصبحون ظالمين. الظلم غالبًا يبدأ بخطوة صغيرة: مصلحة شخصية، رغبة، غضب، خوف، أنانية، أو محاولة للهروب من مسؤولية خطأ ارتكبه الإنسان. ثم تبدأ مرحلة أخطر، وهي تبرير الخطأ.

فالإنسان بطبيعته يجد صعوبة في رؤية نفسه شخصًا سيئًا. ولذلك عندما يرتكب خطأ كبيرًا، يكون أمام خيارين: إما أن يعترف بما فعل ويتحمل نتائجه، وإما أن يعيد صياغة القصة بطريقة تجعله أقل ذنبًا. وهنا قد يبدأ بإلقاء اللوم على الشخص الذي ظلمه، فيقول لنفسه: لقد اضطرني إلى ذلك، هو السبب، لم يكن أمامي خيار، أو أنه يستحق ما حدث له. وهكذا قد يتحول المظلوم، في رواية الظالم، إلى متهم.

والأخطر أن الظلم أحيانًا لا يتوقف عند الفعل الأول. فالإنسان عندما يخشى انكشاف خطئه قد يحتاج إلى الكذب لإخفائه، ثم إلى كذبة أخرى لحماية الكذبة الأولى، ثم ربما إلى تشويه صورة الطرف الآخر حتى تبدو روايته أكثر إقناعًا. وبمرور الوقت يصبح الرجوع إلى الحقيقة أصعب؛ لأن الاعتراف لم يعد يعني الاعتراف بخطأ واحد، بل بسلسلة كاملة من الأخطاء.

وهناك نوع آخر من الظلم مصدره الخوف. بعض الناس يعرفون الحقيقة تمامًا، لكنهم يخافون من نتائج قولها. يخافون من خسارة شخص، أو مكانة، أو مصلحة، أو صورة اجتماعية بنوها أمام الآخرين. فيختارون الصمت أو الإنكار، وربما يقفون إلى جانب الباطل، ليس لأنهم يجهلون الحقيقة، وإنما لأن ثمن الحقيقة بالنسبة إليهم أصبح مرتفعًا.

ومع ذلك، يبقى الظلم اختيارًا يتحمل الإنسان مسؤوليته. فالألم لا يبرر ظلم الآخرين، والغضب لا يجعل الباطل حقًا، والخطأ الذي ارتكبه شخص بحقنا لا يمنحنا رخصة لارتكاب خطأ بحقه. لكن السؤال الأهم بالنسبة للمظلوم ليس دائمًا: لماذا ظلمني؟ ربما يكون السؤال الأهم: ماذا سأفعل أنا بعد أن ظُلِمت؟

فالإنسان يستطيع أن يقضي سنوات يحاول فهم عقل من ظلمه، وقد لا يجد جوابًا يشفيه أبدًا. وقد ينتظر اعتذارًا لا يأتي، أو اعترافًا بالحقيقة ممن قرر إنكارها. لذلك يجب ألا يربط سلامه الداخلي باعتراف شخص آخر.

اطلب حقك، وتمسك بالحقيقة، وقدّم دليلك حيث يجب أن يُقدَّم، لكن لا تسمح للظلم أن يحولك إلى نسخة ممن ظلمك.

فالانتصار الحقيقي ليس فقط أن تثبت أنك كنت على حق، بل أن تخرج من التجربة وأنت لم تفقد نفسك، ولم تتحول مرارتك إلى ظلم جديد. فقد يستطيع الإنسان أن يظلمك في موقف، وقد يستطيع أن يشوه صورتك أمام بعض الناس، لكنه لا يستطيع أن يحدد بقية حياتك إلا إذا منحته أنت هذه السلطة.

وفي النهاية، قد تتأخر العدالة، وقد لا تأتي بالصورة التي نتخيلها، لكن تبقى حقيقة بسيطة لا تتغير: من اختار الظلم اختار ما يمثله هو، أما أنت فاختر ما يمثلك أنت.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :