facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما يغيّر المرض شكل الحياة ولا يغيّر الإنسان


د. محمود أبو رمان
16-09-2026 10:56 AM

الخرف والزهايمر والباركنسون: من الرحمة الدينية إلى الحماية القانونية

مع اقتراب اليوم العالمي للزهايمر، الذي يصادف الحادي والعشرين من أيلول من كل عام، تتجدد الحاجة إلى إعادة النظر في قضايا الخرف والزهايمر والباركنسون، لا بوصفها حالات طبية بحتة، بل باعتبارها قضايا إنسانية وأسرية واجتماعية، ذات أبعاد حقوقية وقانونية تستوجب معالجة تشريعية وقضائية متكاملة.

وبهذه المناسبة، وبدعوة كريمة من جمعية العون الأردنية لمرض الزهايمر، برئاسة فخرية من صاحبة السمو الملكي الأميرة منى الحسين المعظمة، وبحضور صاحبة السمو الملكي الأميرة زين الحسين، تتجدد الدعوة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بهذه الأمراض، ودعم المرضى وأسرهم، وتطوير منظومة متكاملة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في مختلف مراحل المرض.

فالمرض، مهما غيّر شكل الحياة، لا يغيّر قيمة الإنسان ولا ينتقص من آدميته.

الأساس الشرعي: من الرحمة إلى الواجب

أرست الشريعة الإسلامية أساسًا راسخًا في الرحمة والرعاية، ولا سيما تجاه الوالدين وكبار السن والضعفاء، فهذا ليس فضلًا اختياريًا بل واجب ديني وأخلاقي. يقول الله تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24].

وفي دعاء سيدنا زكريا عليه السلام تتجلى صورة الإنسان حين يبلغ به العمر والضعف مبلغًا يحتاج فيه إلى رحمة الله ورعايته:

﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4].

ويقول سيدنا عيسى عليه السلام:

﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]،

في تأكيد عميق لقيمة البر والرحمة والتواضع، ونبذ الجبروت في التعامل مع الوالدين والضعفاء.

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»، وقوله: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».

ومن هنا، فإن التعامل مع الخرف والزهايمر لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: ماذا فقد المريض من قدراته؟ بل من سؤال أهم: كيف نحافظ على إنسانيته وكرامته وحقوقه القانونية رغم ما فقده من قدرات؟

فالخرف ليس مجرد نسيان، والزهايمر لا ينبغي أن يجعل المجتمع ينسى الإنسان نفسه. كما أن مرض الباركنسون لا ينبغي اختزاله في أعراضه الحركية، بل يجب النظر إلى أثره في حياة الشخص وأسرته، واحتياجاته النفسية والاجتماعية والقانونية.

من رعاية المريض إلى حماية الإنسان: الأهلية والحجر القضائي

من المسائل الجوهرية التي يجب توضيحها قانونًا التفريق بين الإصابة بالمرض وبين أثره في الأهلية القانونية؛ فالإصابة بالخرف أو الزهايمر لا تعني بذاتها فقدان الأهلية أو نقصانها، وإنما تُقدَّر الحالة وفق تقييم طبي متخصص وإجراءات قضائية دقيقة، تراعي مبدأ التدرّج وتفاوت درجات الإصابة من شخص لآخر.

وعندما تستدعي الحالة اتخاذ إجراء الحجر القضائي، ينبغي أن يُفهم هذا الإجراء بوصفه وسيلة حماية وصون للحقوق، لا عقوبة على المرض أو الضعف. فالحجر في جوهره القانوني إجراء وقائي احترازي، غايته حفظ ذمة الشخص المحجور عليه وشؤونه، لا تقييد إنسانيته.

ولا ينبغي أن تبقى أحكام الحجر حبيسة الأدراج بعد صدورها، ولا أن ينحصر أثرها في الشق المالي وحده؛ إذ إن الحماية القانونية ينبغي أن تمتد إلى حياة الشخص وكرامته ورعايته الصحية والاجتماعية، وإلى ضمان تواصله بأهله وذويه ومقدمي الرعاية له، عبر آليات متابعة قضائية دورية للحالة بعد صدور القرار، لا الاكتفاء بإصداره.

الخاتمة: الحلول والتوصيات

إن معالجة هذه القضية معالجة جذرية تستوجب تحرّكًا تشريعيًا وقضائيًا ومجتمعيًا متزامنًا، ويمكن إجمال أبرز التوصيات في الآتي:

1. تطوير منظومة الحجر القضائي: بحيث لا تقتصر أحكام الحجر على الحماية المالية، بل تتضمن إلزامًا بإعداد "خطة رعاية ما بعد الحجر" تغطي الجوانب الصحية والاجتماعية والنفسية للمحجور عليه، وتخضع للمراجعة القضائية الدورية بحسب تطور حالته.

2. إنشاء منصة بيانات وطنية موحّدة، وفق ضوابط قانونية صارمة تحفظ الخصوصية وسرية المعلومات، تربط وزارة الصحة بالجهات القضائية المختصة (المحاكم الشرعية والنيابة العامة)، لتنسيق المتابعة وتبادل التقارير الطبية اللازمة لتقدير الأهلية.

3. تأهيل الكوادر القضائية والشرعية، عبر برامج تدريبية متخصصة للقضاة والخبراء الشرعيين على معايير التقييم الطبي القانوني للأهلية، بالتعاون مع الأطباء النفسيين وأطباء الأعصاب.

4. استحداث نظام "الوكالة المستدامة" (الوكالة عن العجز اللاحق)، على غرار أنظمة مقارنة معمول بها دوليًا، يتيح للشخص وهو في كامل أهليته أن يعيّن مسبقًا وكيلًا يتولى شؤونه الصحية والمالية حال تدهور حالته العقلية مستقبلًا، بما يقلل اللجوء إلى إجراءات الحجر القضائي الكامل.

5. تفعيل دور القيّم المؤقت والوصي، مع إخضاع أدائهما لرقابة قضائية دورية، ووضع آلية واضحة للمساءلة في حال إساءة استغلال الولاية.

6. دعم الأسر ومقدمي الرعاية، عبر برامج إرشاد نفسي واجتماعي، وتوفير خدمات الرعاية النهارية والمنزلية المدعومة، تخفيفًا للعبء الملقى عليهم.

7. تكريس دور المؤسسة الدينية في التوعية، عبر تخصيص إحدى خطب الجمعة سنويًا للحديث عن الخرف والزهايمر والباركنسون، وواجب الأسرة والمجتمع في رعاية المصابين، وحرمة استغلال ضعفهم شرعًا وقانونًا.

8. مواءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، بما يضمن انسجام الحماية القانونية المحلية مع المعايير الحقوقية الدولية.

إن بناء مجتمع صديق للخرف لا يعني توفير الخدمات الطبية فحسب، بل يعني أن يعرف الناس، والمشرّع، والقضاء على حد سواء، كيف يتعاملون مع الشخص الذي تغيّرت ذاكرته أو قدرته على الحركة أو اتخاذ القرار، دون أن تتغير نظرتهم إلى إنسانيته وحقوقه.

فقد تتراجع الذاكرة، لكن لا ينبغي أن تتراجع الكرامة. وقد تضعف القدرة، لكن لا ينبغي أن تضيع الحقوق.

ونسأل الله أن يحفظ الجميع، وأن يمتّع كبارنا وأهلنا بالصحة والعافية، ويرحم ضعفهم، ويعين أسر المرضى ومقدمي الرعاية لهم، وأن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه الخير والرحمة وصون كرامة الإنسان وحفظ حقوقه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :