facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاقتصاد الأردني: لا تخلطوا بين مصادر الخطر ومحركات القوة


د. حمد الكساسبة
17-09-2026 10:38 AM

طُرح أخيراً في النقاش الاقتصادي الأردني تصور يمنح ثلاثة عوامل أهمية خاصة في قراءة مسار الاقتصاد واستقراره: متانة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة وما يرتبط بها من تجارة ومساعدات، وتقلبات أسعار الطاقة وانعكاسها على كلفة الاستيراد والمالية العامة، ثم جودة القرار الاقتصادي. ولا خلاف على أهمية هذه العوامل أو سرعة انتقال أثرها إلى الخزينة والنشاط الاقتصادي. لكن ذلك يفتح سؤالاً أوسع: هل ما ينقل الصدمة سريعاً إلى الاقتصاد هو بالضرورة ما يحدد قوته ومساره؟

هنا يجب التمييز بين ما يعرّض الاقتصاد للضغط وما يمنحه القدرة على النمو. فالعلاقات الخارجية قناة مهمة للتجارة والتمويل، وأسعار النفط متغير عالمي لا يملكه الأردن، وجودة القرار تؤثر في أداء الاقتصاد كله. كما أن علاقات الأردن الاقتصادية الخارجية أوسع من أن تُختزل في شريك واحد؛ فإلى جانب الولايات المتحدة، يرتبط الأردن بشراكة استراتيجية وشاملة مع الاتحاد الأوروبي، وبشراكة استراتيجية متنامية مع الصين، فضلاً عن علاقاته الاقتصادية مع الهند وغيرها من الاقتصادات الآسيوية، وعمقه العربي الذي ما يزال يمثل أكبر وجهة لصادراته الوطنية.

وهذا التنوع بحد ذاته عنصر قوة، لأنه يوسع الأسواق ومصادر الاستثمار والتمويل ويمنح الاقتصاد خيارات أوسع عند تعرض أي قناة خارجية للضغط. لكن هذه العلاقات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير القوة الاقتصادية؛ فالقوة المستدامة تُبنى في الداخل من الإنتاجية والاستثمار والتشغيل والتصدير والدخل، ومن قدرة الاقتصاد على توليد قيمة مضافة مستدامة.
ويمكن اختبار ذلك ببساطة.

فإذا استقرت أسعار الطاقة، واستمرت التدفقات الخارجية دون ضغوط جوهرية، وتحسنت جودة القرار، فهل تختفي التحديات الاقتصادية الرئيسية؟ ليس بالضرورة. فقد تبقى البطالة مرتفعة، والإنتاجية محدودة، والاستثمار أقل من المطلوب، والدين مكلفاً، ونمو دخل الفرد بطيئاً. أي أن تخفيف الضغوط يمنح الاقتصاد مساحة أفضل للحركة، لكنه لا يصنع وحده محركات النمو، ولا يضمن أن يتحول الاستقرار إلى تحسن ملموس في قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتشغيل.

والأرقام الحالية تعكس هذا بوضوح. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي ٢٫٩ بالمئة في الربع الأول من ٢٠٢٦، وارتفعت الصادرات الكلية ١٤٫٥ بالمئة خلال النصف الأول، وتراجع عجز الميزان التجاري ٥٫٥ بالمئة، بينما بقيت البطالة بين الأردنيين عند ٢١ بالمئة في الربع الثاني. هذه المؤشرات لا تتعارض، لكنها تقول إن تحسن النمو والتجارة لا يكتمل أثره ما لم يتحول إلى إنتاجية أعلى واستثمار أوسع وفرص عمل ودخل أفضل. فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بمعدل النمو وحده، بل بنوعية هذا النمو وقدرته على رفع الإنتاجية وتوسيع الاستثمار وخلق فرص العمل والدخل.

ومن هنا تصبح قراءة صدمة الطاقة أعمق من مجرد متابعة فاتورة الاستيراد. فقد ارتفعت قيمة مستوردات النفط الخام ومشتقاته والزيوت المعدنية ٥٨٫١ بالمئة في النصف الأول من ٢٠٢٦ لتبلغ نحو ٢٫٠٤١ مليار دينار. الرقم يكشف حجم الانكشاف، لكنه لا يكفي لقياس القوة. السؤال الأكثر أهمية هو: هل يصبح الاقتصاد أقل حساسية لهذه الصدمة مع الوقت؟ وهنا تظهر أهمية تنويع مصادر الطاقة، ورفع كفاءة استخدامها، وتوسيع البدائل المحلية؛ فالمعيار ليس حجم الصدمة وحده، بل مقدار ما نجح الاقتصاد في خفض انكشافه لها.

وينطبق المنطق نفسه على المالية العامة. فالعجز والدين وكلفة خدمته مؤشرات لا يمكن تجاهلها، لكن التركيز عليها وحدها لا يكفي. السؤال الاستراتيجي هو: ما الذي يموله الدين والإنفاق العام، وما العائد الاقتصادي المترتب عليه؟ فالاقتراض الذي يبني بنية تحتية ويرفع القدرة الإنتاجية يختلف عن اقتراض يغطي التزامات متكررة. لذلك لا تعني الاستدامة المالية مجرد القدرة على إدارة العجز، بل أيضاً توسيع القاعدة الاقتصادية القادرة على توليد نمو وإيرادات أعلى في المستقبل.

وفي السياق نفسه يأتي برنامج الأردن مع صندوق النقد الدولي. فإتمام المراجعة الخامسة لتسهيل الصندوق الممدد والثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة في حزيران ٢٠٢٦ أتاح نحو ١٨٨ مليون دولار، وهو ما يوفر إطاراً داعماً للانضباط والاستقرار والوصول إلى التمويل. لكن برنامج الصندوق، مهما كانت أهميته، ليس محركاً للنمو بحد ذاته. فقيمته الاقتصادية الحقيقية تظهر عندما يتحول هذا الاستقرار إلى استثمار خاص أعلى، وإنتاجية أفضل، وبيئة أعمال أكثر تنافسية، وفرص عمل أوسع.

وهنا تبدو رؤية التحديث الاقتصادي أقرب إلى الإطار الأشمل المطلوب لقراءة الاقتصاد. فالبرنامج التنفيذي الثاني من ٢٠٢٦ إلى ٢٠٢٩ يستند إلى ثمانية محركات و٢٥ قطاعاً، ويربط التنفيذ بمشاريع ومخرجات ومؤشرات أثر قابلة للقياس. وهذا يعكس فهماً للاقتصاد بوصفه منظومة مترابطة من الصناعة والخدمات والاستثمار والريادة والطاقة والموارد وغيرها. كما يضع جودة القرار في مكانها الصحيح: قيمتها لا تقاس بمجرد صدور القرار، بل بقدرته على تحويل الموارد والفرص إلى إنتاجية واستثمار وتنافسية وفرص عمل.

الخلاصة أن معرفة مصادر الخطر ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن معرفة مصادر القوة. وهنا يعود مبدأ الاعتماد على الذات، الذي جاء ضمن توجيهات ملكية لتعزيز الإنتاج وتقوية القدرة الاقتصادية الوطنية، إلى جوهر النقاش. فالاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق عن الشركاء أو الاستغناء عن التمويل والاستثمار الخارجي، بل رفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوليد الدخل، مع تنويع الأسواق والطاقة ومصادر التمويل وتقليل الاعتماد المفرط على أي منها.

فمعرفة من أين قد تأتي الصدمة مهمة، لكن الاختبار الأهم هو: هل نبني اقتصاداً تصبح معه كل صدمة لاحقة أقل قدرة على تغيير مساره؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :