الابتكار الحكومي .. من تحسين الحاضر إلى صناعة المستقبل
وسام سامي الساكت
17-09-2026 11:41 AM
لم يعد الابتكار في العمل الحكومي ترفاً إدارياً، ولا نشاطاً جانبياً تمارسه بعض المؤسسات عندما تتوافر لها الإمكانات؛ بل أصبح أحد أهم أدوات صناعة المستقبل ورفع القدرة التنافسية للحكومات.
فالعالم يتحرك بوتيرة متسارعة؛ التكنولوجيا تتغير، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والخدمات، وتوقعات المواطنين ومتلقّي الخدمة ترتفع باستمرار، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومات تحديات متزايدة تتعلق بكفاءة الإنفاق، وجودة الخدمات، وسرعة الاستجابة.
وفي مثل هذه البيئة، فإن المؤسسة. تحتاج لتسأل: "كيف نستعد لما سيحتاجه المجتمع غداً؟" ،وهنا تحديداً يظهر الدور الحقيقي للابتكار.
الابتكار ليس مجرد تقنية.
عندما نتحدث عن الابتكار الحكومي، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن غالباً هو التكنولوجيا أو التطبيقات أو الذكاء الاصطناعي. إلا أن الابتكار أوسع من ذلك بكثير فقد يكون الابتكار في إعادة تصميم خدمة، أو اختصار إجراء، أو خفض تكلفة، أو تحسين رحلة متلقي الخدمة، أو إعادة توزيع الموارد، أو استخدام البيانات بطريقة جديدة، أو بناء شراكة لم تكن موجودة سابقاً.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الحكومات حول العالم تتجه بصورة متزايدة نحو خدمات أكثر تمحوراً حول الإنسان، والاستفادة من البيانات والتقنيات الناشئة، ومنها الأتمتة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التجريب وتصميم الخدمات بصورة استباقية تستجيب للاحتياجات الحالية والمستقبلية. وقد استند تقريرها لعام 2024 إلى تحليل قرابة 800 حالة ابتكار في الخدمات العامة من 83 دولة.
وهذا يعني أن الابتكار لم يعد مرتبطاً فقط بالسؤال( كيف نؤدي العمل بصورة أفضل؟) بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالسؤال (كيف نعيد التفكير في العمل نفسه؟).
صناعة المستقبل تبدأ قبل أن يصل المستقبل
ربما تكون أهم قيمة للابتكار الحكومي أنه يمنح المؤسسة قدرة على الاستعداد للمستقبل بدلاً من انتظار المستقبل ثم محاولة التعامل معه.
فالحكومة التي تستشرف التغيرات الديموغرافية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية تستطيع أن تبدأ اليوم في بناء الخدمات والمهارات والبنية التحتية التي ستحتاجها غداً.
وهنا يلتقي استشراف المستقبل مع الابتكار والذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره أداة لإنجاز مهمة أسرع، وإنما باعتباره أحد الأدوات التي يمكن أن تساعد الحكومة مثل : (تحليل كميات كبيرة من البيانات، اكتشاف الأنماط والاتجاهات ، تحسين عملية اتخاذ القرار ، وغيرها).
وتشير OECD إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع إنتاجية القطاع العام، ويزيد استجابته، ويحسن بعض جوانب المساءلة، مع ضرورة وجود أطر تضمن الاستخدام الموثوق والمسؤول لهذه التقنيات.
وبالتالي فإن الحكومة المستقبلية لن تكون فقط حكومة رقمية، وإنما حكومة قادرة على التعلم من البيانات والتنبؤ بالاحتياجات والتكيف معها.
الإمارات... تجربة للاستئناس.
يمكن النظر إلى تجربة دولة الإمارات باعتبارها نموذجاً عربياً مهماً في هذا المجال ، فقد بدأت الإمارات منذ عام 2014 بمأسسة الابتكار من خلال الاستراتيجية الوطنية للابتكار، ثم طورت توجهها من خلال الاستراتيجية الوطنية للابتكار المتقدم التي ركزت على التجريب، واختبار نماذج حكومية جديدة، وتشجيع التفكير المستقبلي والمخاطر المدروسة.
كما ربطت الإمارات بصورة مبكرة بين الابتكار والذكاء الاصطناعي؛ إذ أطلقت استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي عام 2017 باعتبار الذكاء الاصطناعي أداة لرفع الأداء الحكومي وتسريع الإنجاز وخلق بيئات عمل مبتكرة والاستعداد للمستقبل.
والدرس الأهم هنا هو إدراك أن صناعة المستقبل تحتاج إلى أن تصبح الابتكارات جزءاً من منظومة العمل الحكومي، وليس مجرد مبادرات منفصلة.
والأردن يسير في الاتجاه نفسه
الأردن أيضاً بدأ يرسخ الابتكار باعتباره جزءاً من التوجه الوطني.
ففي كانون الثاني 2026 أقر مجلس الوزراء الخطة التحسينية المعدلة لأداء الأردن في مؤشر الابتكار العالمي، وجرى تعميمها على الجهات والمؤسسات المعنية لتنفيذ الإجراءات المطلوبة. كما أصبح مؤشر الابتكار العالمي أحد مؤشرات الأثر المرتبطة بالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029. وأظهر تقرير 2025 تقدم الأردن من المرتبة 73 عالمياً عام 2024 إلى المرتبة 65 عام 2025.
وهذه الخطوة بحد ذاتها تحمل دلالة مهمة؛ فالابتكار لم يعد مجرد مفهوم نظري، وإنما أصبح مؤشراً وطنياً تتم متابعته وتحسين الأداء المرتبط به.
كما يمثل التوجه الأردني نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع العام نموذجاً آخر؛ إذ تتضمن الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي مشاريع تطبيقية في قطاعات متعددة، مع التركيز على أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن ترفع كفاءة عمل القطاع العام.
وهذه النماذج، إلى جانب الخطة الوطنية لتحسين أداء الأردن في مؤشر الابتكار، تعطي مؤشراً واضحاً على أن الابتكار أصبح جزءاً من مسار التحديث الحكومي وليس موضوعاً منفصلاً عنه.
التنافسية تبدأ من داخل المؤسسة
التنافسية الحكومية لا تعني فقط أن تكون الدولة متقدمة في المؤشرات الدولية؛ بل تبدأ من داخل المؤسسة نفسها.
فالمؤسسة الأكثر تنافسية هي التي تستطيع أن تقدم الخدمة بشكل أسرع وبجودة أعلى وبتكلفة أقل و بإجراءات أبسط وبقدرة أكبر على التكيف.
ولهذا فإن الابتكار يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية للموظف الحكومي. فلا ينبغي أن يكون الابتكار مسؤولية "قسم الابتكار" فقط إن وجد، بل مسؤولية كل موظف وكل مدير وكل فريق عمل.
الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل الحكومي
ربما يكون أكبر تحول قادم في القطاع الحكومي هو أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة إضافية يستخدمها الموظف، بل سيؤثر تدريجياً في طريقة تصميم الوظائف والخدمات واتخاذ القرارات.
وهذا لا يعني أن الموظف الحكومي سيختفي، بل يعني أن طبيعة عمله ستتغير.
وهذا يجعل الاستثمار في الموظف المبتكر والمتعلم مساوياً في أهميته للاستثمار في التكنولوجيا نفسها.
ماذا لو لم نواكب؟
التحدي الحقيقي ليس أن نكون أقل تقدماً من دولة أخرى اليوم؛ فالمقارنات تتغير باستمرار.
الخطر الحقيقي هو أن نستمر في استخدام أدوات الأمس لحل مشكلات الغد.
والابتكار لا يعني أن ننجح في كل تجربة؛ بل يعني أن نمتلك القدرة على التجربة والتعلم والتعديل والتوسع فيما يثبت نجاحه.
ومن هنا فإن السير مع الركب لا يعني تقليد الآخرين، وإنما يعني امتلاك القدرة على التعلم من التجارب العالمية، والاستفادة من التكنولوجيا، وبناء حلول تتناسب مع احتياجاتنا الوطنية وإمكاناتنا.
من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل
لقد أصبح الفرق بين المؤسسة التقليدية والمؤسسة المستقبلية أكثر وضوحاً.
المؤسسة التقليدية تسأل:
ماذا أنجزنا؟
أما المؤسسة التي تستعد للمستقبل فتسأل أيضاً:
ماذا تعلمنا؟
ماذا يمكن أن نحسن؟
ما الذي سيتغير؟
وماذا يجب أن نفعل من الآن استعداداً لذلك؟
وهنا تلتقي ثقافة الابتكار مع استشراف المستقبل والذكاء الاصطناعي لتشكل ثلاثية أساسية للعمل الحكومي الحديث:
استشراف المستقبل → ابتكار الحلول → توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتحقيقها.
والهدف في النهاية ليس امتلاك أكبر عدد من التقنيات أو إطلاق أكبر عدد من المبادرات، وإنما صناعة حكومة أكثر قدرة على التعلم والتكيف والاستباق، وأكثر كفاءة في استخدام مواردها، وأكثر قدرة على تقديم قيمة حقيقية للإنسان والمجتمع.
لقد بدأ المستقبل بالفعل، والسؤال لم يعد: هل سنصل إليه؟ بل: هل سنكتفي باستقبال المستقبل عندما يصل، أم سنبدأ من اليوم بالمساهمة في صناعته؟