الخطر على السعودية ليس البداية… بل فاتورة سنوات من التفكك العربي .
صالح الشرّاب العبادي
17-09-2026 12:01 PM
قراءة نقدية في أخطاء النظام العربي ومسار الاستنزاف الإقليمي من العراق إلى اليمن والسودان وليبيا وغزة
النداءات التي تتعالى اليوم من أجل الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها تستحق التوقف عندها، ليس من باب الاعتراض على مضمونها، وإنما من باب قراءة المشهد العربي الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة.
فالسعودية دولة عربية محورية، وأمنها يرتبط بأمن الخليج والبحر الأحمر والطاقة والتجارة، وما تتعرض له حاليًا من تهديدات صاروخية ومسيّرات وصلت إلى قبلة المسلمين، وضغوط على منشآتها وممراتها الحيوية لم يعد تطورًا محصورًا في الجغرافيا السعودية ، حيث تؤكد التطورات الميدانية خلال الأيام الأخيرة اتساع نطاق الخطر، مع اقتراب القتال في اليمن من باب المندب وازدياد التهديدات التي تطال الأراضي والمنشآت السعودية.
لكن المسألة الأهم ليست في التضامن مع السعودية؛ بل في الدروس التي يجب أن نستخلصها من وصول النظام العربي إلى هذه المرحلة المزرية ..
فالمشكلة العربية لم تبدأ عندما وصلت الصواريخ والمسيّرات إلى الأجواء السعودية ، المشكلة بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما أخذت دول عربية تتعرض للتفكك والاستنزاف والتدخلات الخارجية، بينما تعامل النظام العربي مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا، وكل دولة باعتبارها مسؤولة وحدها عن معالجة ما تتعرض له.
وهكذا انتقل الخطر من ساحة إلى أخرى.
ضعفت الدولة في العراق، وتعددت مراكز القوة فيه، وتحول جزء من أراضيه إلى مجال لتصفية الحسابات الإقليمية ، والفساد متجذر من الصعب اجتثاثه ، والبيئة خصبة للجماعات الطائفية المسلحة ، حتى باتت دول داخل دولة ،،
وتحول اليمن إلى ساحة صراع طويل، ثم تطورت إحدى القوى المسلحة فيه إلى قوة تمتلك صواريخ ومسيّرات وقدرة على تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية خارج حدود اليمن ، في وقت ادى فيه التنافس الخارجي إلى تقسيمه والتناحر مستمر بين شعبه ..
وتعمقت الأزمة اللبنانية حتى أصبح موضوع السلاح والقرار السيادي جزءًا من معادلة إقليمية معقدة ، يتلقى الدعم الإعلامي والشجب والاستنكار لما تقوم به اسرائيل بحجة حزب الله، الحزب الذي يعتبر دولة داخل دولة. .
وانقسمت ليبيا بين مراكز قوة متنافسة، وتحولت أرضها إلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات العربية التي تدعم طرف ضد طرف آخر وتؤيد طرف ضد طرف ..
أما السودان، فقد وصل إلى حرب داخلية ذات أبعاد إقليمية ، وسط اتهامات متبادلة بشأن إسناد أطراف الصراع من الخارج ، حتى اصبحت الحرب الطاحنة فيه امر روتيني يتفرج عليه العرب بدون مبالاة ..
وغزة دفعت، ولا تزال، ثمن حرب تجاوزت آثارها حدود القطاع إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.
والأردن بدوره لم يكن بعيدًا عن تداعيات الإقليم؛ فقد واجه خلال السنوات الماضية ولغاية الان محاولات تهريب مخدرات وأسلحة واختراقات أمنية مرتبطة بالاضطرابات المحيطة به،
وكذلك ما تتعرض له من قصف صاروخي من ايران ومن الجماعات المسلحة التابعة لها في دول عربية .،
واخيراً وما نحن فيه ، الحرب بين امريكا وايران التي تكتوي بنارها دول المنطقة بدون استثناء والتي فشلت حتى صاحبة الحماية الكبرى امريكا عن حمايتها ..
هذه ليست أزمات منفصلة :
إنها حلقات متتابعة في أزمة واحدة عنوانها الأعمق: تراجع قدرة النظام العربي على منع انتقال الصراع من دولة إلى أخرى.
الخلل في التفكير الاستراتيجي العربي أننا كثيرًا ما نتعامل مع الخطر بعد وصوله، لا قبل ذلك.
عندما كانت النيران بعيدة، كان يمكن النظر إليها باعتبارها أزمة تخص الآخرين.
وعندما اقتربت، أصبحت أزمة إقليمية.
وعندما وصلت إلى الحدود والمنشآت والموانئ، أصبحت فجأة قضية أمن قومي.
هذه ليست استراتيجية أمن؛ هذه إدارة للأزمات بعد وقوعها.
الأمن القومي الحقيقي لا يبدأ عندما يسقط الصاروخ، بل عندما تظهر المؤشرات التي تقول إن الصاروخ قد يصبح ممكنًا.
ولا يبدأ عندما يُغلق المضيق، بل عندما تبدأ قوة مسلحة في الاقتراب من القدرة على التحكم به.
ولا يبدأ عندما تمتلك الميليشيا الطائرة المسيّرة، بل عندما يبدأ انهيار الدولة التي كان يفترض أن تمنع وصول السلاح إليها.
وهنا تكمن أهمية اللحظة السعودية الحالية.
فما يحدث حول المملكة يقدم إنذارًا استراتيجيًا يجب ألا يُقرأ باعتباره أزمة سعودية فقط.
فالتقارير الحالية تشير إلى أن التقدم الحوثي على الساحل اليمني بات يضغط باتجاه باب المندب، بينما تعرضت منشآت وخطوط طاقة سعودية لهجمات من اتجاهات مختلفة؛ الأمر الذي يوضح كيف يمكن أن تتزامن التهديدات البرية والصاروخية والبحرية والاقتصادية في مسرح عمليات واحد.
هذه هي الحرب الحديثة: ليست جبهة واحدة، وليست دبابة مقابل دبابة.
إنها حرب استنزاف متعددة المجالات: صواريخ، مسيّرات، منشآت طاقة، موانئ، خطوط إمداد، ممرات بحرية، حرب معلومات، ووكلاء محليون.
ومن الخطأ أن تواجهها الدول العربية بعقلية كل أزمة على حدة.
السعودية ليست المشكلة… بل الاختبار
لذلك فإن الوقوف إلى جانب السعودية مهم، لكن الأهم أن تكون السعودية نقطة مراجعة عربية.
مراجعة لما فعلناه في الماضي.
ولما لم نفعله ؟
ولما تركناه يتطور أمام أعيننا ؟
لقد امتلك العرب منذ عام 1950 إطارًا قانونيًا للدفاع المشترك، ونصت المعاهدة العربية للدفاع المشترك على التعاون العسكري وإعداد وسائل الدفاع الجماعي وإنشاء مجلس للدفاع المشترك ولجنة عسكرية دائمة.
لكن التاريخ العربي الحديث أظهر فجوة كبيرة بين وجود الاتفاقية وبين تحويلها إلى قدرة عملياتية مشتركة ، كما هي اتفاقيات الدفاع المشترك الذي لا تتعدى الورق الذي طبعت عليه ..
وهنا لا تكمن المشكلة في النصوص.
المشكلة في الإرادة السياسية.
وفي غياب التخطيط المشترك.
وفي استمرار اختلاف تعريف التهديد من دولة عربية إلى أخرى.
وفي انتقال بعض الخلافات العربية من المجال السياسي إلى دعم أطراف مختلفة داخل الدول العربية نفسها.
آن الأوان لإيقاف سياسة «هذا مع ذاك ، وذاك مع هذا »
إذا أردنا بالفعل بناء أمن عربي، فلا بد من معالجة أحد أخطر مصادر الضعف الداخلي: سياسة المحاور داخل الساحات العربية.
ليس من المنطقي أن تطالب الدول العربية بالتضامن عندما تتعرض دولة عربية كبرى للتهديد، بينما تستمر في ساحات أخرى سياسة دعم هذا الطرف أو ذاك، وتمويل هذا الفريق أو ذاك، أو بناء النفوذ من خلال قوى محلية متنافسة.
السودان، واليمن، وليبيا وغزة ، وغيرها تقدم دروسًا قاسية في هذا المجال.
قد تختلف الدول العربية في مصالحها وتقديراتها السياسية، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة على النفوذ داخل الدول العربية نفسها.
فحين يصبح لكل دولة عربية طرف محلي تسانده في دولة عربية أخرى، فإن الدولة المستهدفة لا تخرج من أزمتها، بل تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا، ويصبح القرار الوطني أكثر تشتتًا.
فالعداءات والاقتتال بين الدول العربية ظاهرة للعيان وهي تصفي هذه الخلافات بالاقتتال بالوكالة في الدول العربية.. السودان ، ليبيا، اليمن ، لبنان ، سوريا ، العراق ، حتى الصومال.. وغيرها ..
ومن هنا فإن أول خطوة في بناء الأمن العربي هي وقف إنتاج الانقسام العربي بأدوات عربية.
باب المندب إنذار استراتيجي:
باب المندب ليس اكتشافًا جيوسياسيًا جديدًا.
لكن الخطورة الحالية تكمن في أن الصراع أصبح قادرًا على الجمع بين السيطرة البرية والنفوذ البحري والقدرة الصاروخية.
وقد تحول القتال بالفعل على الساحل الغربي إلى تهديد مباشر لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وتقدمهم في اتجاه المضيق.
وهذا يعني أن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفًا يمنيًا.
إنه ملف سعودي ومصري وأردني وسوداني ويمني وجيبوتي وإريتري، ثم ملف دولي بحكم ارتباطه بالتجارة والطاقة.
والدرس الأهم هنا أن الممرات الاستراتيجية لا تُحمى بعد سقوطها في دائرة التهديد.
يجب أن تكون لها عقيدة حماية مسبقة، وقدرات مراقبة وإنذار واستجابة.
من الدفاع عن السعودية إلى إعادة بناء الأمن العربي:
لذلك فإن المطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات التضامن.
المطلوب تأسيس منظومة عربية حقيقية تتدرج من:
الإنذار المبكر، إلى تبادل المعلومات، إلى التكامل في الدفاع الجوي، إلى مكافحة المسيّرات، إلى حماية المنشآت الحيوية، إلى أمن البحر الأحمر، إلى حماية خطوط الطاقة، ثم إلى بناء قدرة ردع مشتركة.
وهذا لا يعني إنشاء جيش عربي موحد غدًا ، وللعلم هو ليس مستحيل اذا وجدت ارادة سياسية صادقة .. ولكن كلاً متقوقع في جغرافيته يتبادلوا الزيارات والاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات البروتوكولية ،،تنتهي مفعولها من مجرد المغادرة ..
لكن على الاقل ان يصبح الاعتداء على دولة عربية معلومة استخبارية مشتركة، وأن يصبح الخطر الصاروخي إنذارًا عربيًا، وأن يصبح تهديد الممرات البحرية قضية عربية، وأن تصبح حماية المنشآت الحيوية جزءًا من منظومة تعاون إقليمي دائم، وبالتالي التدخل المشترك الشامل ضد من يعتدي او يغلق او يطلق .. واقصد بالكامل .. رد عربي موحد لا مجزأ او مناكف او محايد او ضد او مع ..
هذا اعتقد صعب المنال ..
إذا استمرت الدول العربية في إدارة الأزمات منفردة، فإن المشهد المقبل لن يكون مجرد حروب تقليدية.
سنواجه بيئة أمنية تتداخل فيها عدة مسارح عمليات في وقت واحد:
الخليج ، البحر الأحمر ، العراق ، اليمن، بلاد الشام ، وشمال إفريقيا.
وسيتحول الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الممرات والموارد وشبكات الطاقة والموانئ والفضاء السيبراني والقدرة على تعطيل الاقتصاد.
وهنا تصبح الدولة التي تملك القدرة على حماية منشآتها وحدودها وممراتها أقل تعرضًا للابتزاز من الدولة التي تنتظر الدعم بعد وقوع الهجوم.
والأخطر أن استمرار هذا النمط سيجعل كل دولة عربية تبحث عن مظلة أمنية خارج النظام العربي.
وهذا، في تقديري، هو الخطر الاستراتيجي الأكبر.
فإذا فقد العربي الثقة بقدرة النظام العربي على حمايته، فسوف يبحث عن الحماية في مكان آخر ، والذي بالفعل تم البحث عنه وتم الاعتماد عليه ولكنه فشل في حماية تلك الدول او نأى بنفسه او يطلب الثمن ، والثمن باهض جداً .
هذه اللحظات هي لحظات المكاشفة والوضوح ، لا لحظات ( بيا وبعداي لا شلت ) .. او ( مادام أنا بعيد ولي علاقات مع الغرب او مع الشرق او مع اسرائيل) فانا في امان.. لا والف لا .. اليوم السعودية وغداً مصر ، وبعد غد .. الله اعلم من تكون…
وعندها لا يعود القرار الأمني عربيًا بالكامل.
السعودية اليوم… والدرس الذي لا يجوز أن نضيعه:
لذلك، نعم، لا تتركوا السعودية وحدها.
لكن لا تجعلوا هذه اللحظة مجرد حملة تضامن عابرة.
اجعلوها لحظة مراجعة.
اجعلوها بداية لتصحيح مفهوم الأمن القومي العربي.
واجعلوا الخطر الذي وصل إلى السعودية درسًا في أن ما يصيب دولة عربية اليوم قد يصبح تهديدًا لدولة أخرى غدًا.
الأمن القومي لا يعمل بمنطق «دوري لم يأتِ بعد». :
والدولة العربية التي تتفرج على إضعاف جارتها لا تضمن أن تجد الجميع إلى جانبها عندما يأتي دورها.
لقد وصلت المنطقة إلى مرحلة لم يعد فيها ممكنًا الفصل بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، ولا بين أمن الممرات البحرية وأمن الطاقة، ولا بين أمن الدولة الوطنية وأمن الإقليم كله.
لا تتركوا السعودية وحدها نعم .. لكن لا تتركوا النظام العربي نفسه وحيدًا أمام تفككه.
فالسعودية ليست نهاية القصة.
إنها ربما تكون الإنذار الأخير بأن الأمن العربي إذا لم يتحول من رد فعل إلى استراتيجية، فسوف تستمر دائرة الاستنزاف، وستنتقل الأزمة من دولة إلى أخرى، حتى يصبح الجميع بحاجة إلى من ينقذه.
اخيراً امريكا التي فشلت حتى اللحظة في حسم الحرب وفشلت في فتح مضيق هرمز وتشجع على اغلاق باب المندب في وجه السعودية من اجل الرضوخ ، فكيف ستنجح الدول العربية وهي في هذا الوضع المتشرذم مجتمعة في فتح باب المندب إذا ما اغلق ؟