حين يرى المسؤول الأردن من نافذة الطائرة
د. محمد خالد العزام
18-09-2026 09:42 PM
أستغرب من بعض المسؤولين الذين يسافرون خارج البلاد، فيرون بأعينهم كيف تصنع الدول نهضتها، وكيف تتحول الطرق إلى شرايين نابضة، ووسائل النقل إلى منظومة تحفظ للإنسان وقته وكرامته، والأرصفة إلى مساحات منظمة تمشي فيها المدينة كما يمشي الإنسان في طريق يعرف نهايته. ثم يعودون إلى الأردن، وكأن ما رأوه بقي خلف حدود الطائرة، ولم يعبر معهم إلى أرض الوطن.
لقد سافرت إلى أكثر من دولة متقدمة، ورأيت كيف لا تكتفي الدول بالنظر إلى تجارب الآخرين، بل تستفيد منها وتعيد صياغتها بما يناسب واقعها. فالمسؤول الذي يسافر ليس سائحًا فقط؛ إنه يحمل، إلى جانب حقيبته، مسؤولية أن يرى ويسأل ويقارن: لماذا نجح هؤلاء؟ وكيف يمكن أن ننجح نحن؟
لا نريد أن نستنسخ تجارب الآخرين بحذافيرها، فلكل بلد خصوصيته وظروفه، لكننا نريد أن نتعلم من العالم كما يتعلم الطالب من كتابه، ثم يكتب درسه بلغته هو.
وفي الأردن، ما زالت بعض شوارعنا تعاني من التهالك، وبعض الأرصفة فقدت وظيفتها حتى غدت التشققات فيها مأوى لما يزحف ويختبئ، بينما تتعثر حركة المشاة والسيارات في أماكن كان يمكن أن تكون عنوانًا للنظام والجمال.
ليس هذا حديثًا عن الإسفلت وحده، ولا عن الرصيف وحده؛ إنه حديث عن فلسفة إدارة ترى التفاصيل الصغيرة جزءًا من كرامة المواطن. فالطريق الجيد ليس ترفًا، والنقل العام المتطور ليس رفاهية، والمدينة المنظمة ليست زينة في الصورة؛ إنها جزء من اقتصاد البلد، ومن راحة الناس، ومن هيبة الدولة في عيون مواطنيها.
نحن نحب الأردن، ولذلك لا نريد أن نتعوّد على المشهد كما هو، ولا أن يصبح الطريق المتهالك جزءًا من ذاكرتنا، ولا أن نعتاد الأرصفة المكسورة حتى نراها طبيعية. حب الوطن ليس أن نصفق لكل شيء، بل أن نمتلك شجاعة السؤال: لماذا لا يكون الأردن أفضل؟
نحتاج إلى مسؤول حين يرى تجربة ناجحة في بلد آخر، لا يقول: «هناك استطاعوا»، بل يقول: «كيف نستطيع أن نفعلها هنا؟». نحتاج إلى مسؤول يحمل همّ الوطن معه في سفره، ويعود من الخارج وفي حقيبته أفكار ومشروعات وحلول، لا مجرد صور وذكريات.
الأردن لا تنقصه المحبة، فالمحبة تسكن في قلوب أبنائه؛ لكنه يحتاج إلى إدارة تجعل هذه المحبة عملًا، وإلى مسؤول يرى المنصب تكليفًا لا امتيازًا، ويرى الوطن أكبر من موقعه، وأبقى من كرسيه.
والسؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء: أين نجد أولئك المسؤولين الذين يحبون الأردن أكثر من أنفسهم، فيجعلون من كل تجربة يرونها خارج البلاد فكرة قابلة للحياة هنا؟
نحن لا نطلب المستحيل؛ نطلب فقط أن تصبح شوارع الأردن جديرة بالأردنيين، ومدنه جديرة بتاريخ هذا البلد، وأن نرى ما نراه في العالم وقد بدأ، خطوة بعد خطوة، يمشي على