facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن بعد قرن، بين دولة تدار و دولة تصنع


سمير حمدان - بودابست
19-09-2026 11:15 AM

أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة مثل الأردن ليس أن تفشل في النجاة، بل أن تنجح فيها حتى تصبح النجاة تعريفًا كافيًا للنجاح، فالدولة التي عبرت حروب الجوار وندرة المياه واضطراب الحدود أثبتت مناعة مؤسسية، لكن التاريخ يعرف مفارقته القاسية، إذ قد يتحول الاستقرار إلى نظام يؤجل مواجهة الضعف، وتصبح القدرة على امتصاص الصدمات سببًا لتأجيل بناء اقتصاد لا تحدده الصدمات من الأصل .

هذه هي المفارقة التي نادرًا ما تُناقش، فبرنامج التسهيل الممدد مع صندوق النقد بقيمة ١٫٢ مليار دولار، والنمو الذي بلغ ٢٫٨٪ عام ٢٠٢٥، يثبتان ثقة الخارج بقدرة الأردن على إدارة التوازن، لكنهما لا يكفيان لإثبات أن الاقتصاد ينتج قوته من الداخل، فالمساعدات والتمويل يحميان الاستقرار، غير أن منطق المانح يكافئ منع الانهيار أكثر مما يكافئ بناء اقتصاد منتج، وعندما تُدار الدولة بهذا المنطق، قد تصبح حالة مستقرة تُموَّل، لا شريكًا لا يمكن تجاوز مصالحه .

والاختبار في سوق العمل، فالبطالة بلغت ٢١٫٣٪ في الربع الأول ٢٠٢٥، ووصلت بطالة الشباب إلى ٤٥٪ مطلع ٢٠٢٦، رغم استحداث أكثر من ٤٨ ألف فرصة عمل في النصف الأول ٢٠٢٥، وهذه الأرقام لا تعني غياب الفرص، بل خللًا بين نوع الاقتصاد ونوع المهارات التي ينتجها المجتمع، فجيل متعلم لا يرى في كثير من الوظائف مدخلًا إلى مستقبل، واقتصاد محدود الإنتاجية يعجز عن استيعاب طموحه، ومن هنا تبدأ الهجرة لا باعتبارها خيارًا فرديًا، بل خروجًا للخبرة والطاقة البشرية .

الأردن لا يفتقر إلى الموقع أو الكفاءات أو الثقة الدولية، بل إلى تحويلها إلى منظومة إنتاج مترابطة، فهو يقع بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين، ويستطيع أن يصبح دولة رابطة للطاقة والتجارة والبيانات والخدمات المتخصصة، لكن الموقع لا يصنع وزنًا، فالجغرافيا تصبح نفوذًا حين تتحول إلى ربط كهربائي، وممرات لوجستية، ومناطق صناعية، ومراكز تكنولوجيا، وسلاسل قيمة تعود فرصها إلى الداخل .

أمام الأردن ثلاثة مسارات مألوفة، الأول هو الاستقرار المموّل، وهو قادر على الاستمرار ما دام الأردن يؤدي دورًا سياسيًا وأمنيًا ضروريًا لاستقرار المنطقة، ويحافظ على التوازن عبر التمويل والمراجعات الدورية، لكنه يبقي فجوة التشغيل ويُصدّرها عبر الهجرة، والثاني هو التحصين الداخلي، يراكم قدرات المياه والطاقة والغذاء ويقلل الهشاشة الخارجية، لكنه لا يكفي لصنع اقتصاد صاعد، أما الثالث فهو هندسة الضرورة، أي بناء قطاعات وشبكات تجعل وجود الأردن ضروريًا لمن حوله، فلا يُقاس النجاح بحجم الاتفاقيات، بل بحجم الكلفة التي يدفعها الآخرون إذا تراجع دوره .

لكن المسار الرابع هو الأكثر جذرية حقًا، إعادة تأسيس العقد الإنتاجي (بناء اقتصاد يشارك فيه الجميع)، فلا تكفي حماية الدولة أو رفع وزنها الخارجي إذا بقي جزء واسع من شبابها خارج دورة الإنتاج، والمطلوب ليس توزيع وظائف فقط، بل وصل التعليم بحاجات الصناعة، وتوجيه التمويل نحو الشركات القابلة للتصدير، وإعطاء المحافظات دورًا فعليًا في خلق القيمة، وتحويل الكفاءات المهاجرة إلى شبكات معرفة واستثمار، عندها ينتقل المواطن من انتظار الفرصة إلى امتلاك مهارة ودور وحصة في الاقتصاد، فالقوة التي لا تجد ترجمتها بحياة الناس تبقى رقمًا اقتصاديًا، أما القوة فتظهر حين يشعر المواطن بأن مستقبله جزء من مستقبل الوطن .

مشروع الأمونيا الخضراء في العقبة يختبر هذا التحول، فقيمته الاستثمارية الكبيرة وإمكان التصدير إلى أوروبا يمنحان الأردن موضعًا واعدًا في اقتصاد الطاقة الجديد، لكنه يذكّر بأن المشروع الرائد لا يصبح تحولًا وطنيًا بمجرد ضخامة رقمه، فإذا وفر مئات الوظائف الدائمة فقط، بقي أثره الاجتماعي محدودًا ما لم تُبن حوله صناعات مساندة، وتدريب تقني، وخدمات نقل وصيانة وتمويل وبحث، عندها يتحول التصدير من خروج مادة إلى خروج معرفة وقيمة .

القرن الثاني لا يحتاج إلى مغامرة تهدد توازن الأردن، بل إلى طموح يوازي ما أنجزه من صمود، فالإصلاح ليس إعلان خطة، بل قدرة على تحويل المشاريع إلى نتائج، وفتح المجال للكفاءة، وإعطاء الشباب سببًا عمليًا للبقاء والإنتاج، الأردن لا يحتاج أن يصبح أكبر من حجمه، بل أن يصبح أصعب على التجاوز، فالاستقرار يمنع السقوط، أما القوة فتبدأ عندما يصبح غيابها مكلفًا للآخرين .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :