facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




غزة تتكلم بالعبرية: جرائمهم كما يروونها!


حلمي الأسمر
19-09-2026 12:24 PM

لم تعد غزة بحاجة إلى أن تبحث عن الكلمات كي تروي ما جرى لها. الكلمات هذه المرة خرجت من الطرف الآخر نفسه؛ من جنود وضباط وعناصر استخبارات إسرائيليين، ومن صحفيين إسرائيليين قرروا أن يفتحوا الملفات التي تريد المؤسسة العسكرية أن تبقى مغلقة. غزة التي تحدثت طوال سنوات بصور الشهداء والبيوت المدمرة وأصوات الناجين، بدأت تتكلم بالعبرية؛ مرة عبر التحقيقات الصحفية الإسرائيلية، ومرة عبر شهادات العسكريين، ومرة عبر السينما التي حملت إلى العالم فيلم «نازا»، ومرة أخرى عبر موقع التحقيقات الإسرائيلي «هَمكوم» الذي ينشر شهادات جنود عن وقائع ميدانية في غزة. وهذه المرة لا نتحدث عن رواية فلسطينية في مواجهة رواية إسرائيلية، بل عن شيء أكثر إحراجًا للرواية الرسمية: الرواية الإسرائيلية وهي تتشقق من داخلها.

فيلم «نازا»، الذي عُرض في مهرجان البندقية وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، يقوم على شهادات 24 من العسكريين وعناصر الاستخبارات الإسرائيليين الذين شاركوا في الحرب على غزة، ومعظمهم تحدثوا بصورة مجهلة لحماية هوياتهم. شهاداتهم تتناول منظومات الاستهداف والمراقبة واستخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، وما يقولون إنه معرفة مسبقة بوجود مدنيين داخل بعض المواقع التي جرى استهدافها. والفيلم لا يقدم هذه الشهادات باعتبارها اكتشافًا منفصلًا عن كل ما سبقه، بل يبني على سلسلة من التحقيقات التي نشرتها خلال السنوات الماضية «+972» و«لوكال كول» و«الغارديان».

أما «هَمكوم»، أو «المكان الأكثر حرارة في الجحيم»، فيأتي من الاتجاه الآخر تمامًا. لا ينزل إلى غرفة الاستخبارات ولا يقف أمام شاشة تحديد الأهداف، وإنما يذهب إلى الميدان، إلى الجندي الذي كان داخل البيت والشارع والحي، وإلى الضابط الذي أصدر الأمر. وفي تحقيقاته الأخيرة بشأن الكتيبة 50 من لواء ناحال في رفح، نشر الموقع شهادات عن واقعة تقول إن امرأة فلسطينية مسنة عُثر عليها في منطقة القتال، ونُقلت وهي مقيدة ومعصوبة العينين داخل مركبة عسكرية، ثم أطلق الضابط المرافق النار عليها وقتلها، وفق شهادات جمعها الموقع. كما نشر تحقيقًا لاحقًا يتناول اتهامات أخرى مرتبطة بالضابط نفسه، من بينها استخدام فلسطينيين دروعًا بشرية. وقد أعلنت الشرطة العسكرية الإسرائيلية فتح فحص للتهم التي أوردها التحقيق.

وهنا تبدأ أهمية الربط بين «نازا» و«هَمكوم». فالفيلم يضعنا فوق الحرب، في غرف الاستخبارات والأنظمة والشاشات والخوارزميات ودوائر اتخاذ القرار، بينما يضعنا «هَمكوم» تحتها، في الشارع، عند الحاجز، داخل المركبة العسكرية، أمام المدني الفلسطيني الذي لم يعد مجرد نقطة على شاشة. الأول يسأل: كيف يُحدد الهدف؟ والثاني يسأل: ماذا يحدث للإنسان عندما تصل القوة العسكرية إليه؟ الأول يتحدث عن البنية التي تنتج الضربة، والثاني عن السلوك الذي يحدث بعد وصول الجنود إلى المكان. وبين الاثنين تظهر صورة الحرب من طرفيها: من الخوارزمية إلى الزناد، ومن شاشة الاستخبارات إلى جسد الإنسان.

وهذه هي النقطة التي تجعل المسألة أكبر بكثير من فضيحة ضابط أو شهادة جندي أو فيلم سينمائي. لأن «نازا» لا يقول، في جوهر مادته، إن هناك جنديًا ارتكب مخالفة هنا أو هناك؛ بل يحاول، عبر شهادات العاملين داخل المنظومة، أن يفهم كيف تعمل منظومة الاستهداف نفسها. أما «هَمكوم» فيكشف، من خلال شهادات ميدانية، ما يُقال إنه يحدث عندما تتحول الحرب من قرار مركزي إلى ممارسة على الأرض. وبين المستويين يبرز السؤال الأخطر: ماذا يحدث عندما تتقاطع بنية عسكرية واسعة مع ثقافة ميدانية تسمح، بحسب هذه الشهادات والتحقيقات، بتجاوزات خطيرة بحق المدنيين؟
ثمة أمر يصعب تجاهله: هذه الشهادات لم تعد تأتي من غزة فقط. لقد أصبحت تأتي من تل أبيب نفسها. من أسطح بناياتها، حيث صُورت مقابلات «نازا» ليلًا لحماية أصحابها، ومن غرف الصحافة الإسرائيلية التي تنشر شهادات جنود شاركوا في العمليات. في «نازا» يتحدث العسكري عن منظومات القتل من خلف الشاشة؛ وفي «هَمكوم» يتحدث الجنود عن الذي رأوه في رفح وغزة. وفي الحالتين نحن أمام إسرائيليين يقولون إن هناك شيئًا داخل منظومة الحرب يستحق أن يُكشف.

وهنا يصبح عنوان «غزة تتكلم بالعبرية» أكثر من استعارة صحفية. غزة لم تتغير؛ الذي تغير هو أن بعض الذين كانوا داخل آلة الحرب بدأوا يتحدثون عنها بلغتها الأصلية. لم يعد السؤال: هل الفلسطيني يقول إن المدنيين قُتلوا؟ فهذا معروف منذ اليوم الأول. السؤال الجديد هو: ماذا يقول الجندي الإسرائيلي عن المدني الذي رآه؟ ماذا يقول ضابط الاستخبارات عن الهدف الذي حدده؟ ماذا يقول الصحفي الإسرائيلي عن الشهادة التي حصل عليها من داخل الجيش؟ وماذا تقول المؤسسة العسكرية عندما تواجه هذه الشهادات؟

إنها معركة على احتكار الرواية قبل أن تكون معركة على الرواية نفسها. طوال الحرب كانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تمتلك أفضلية هائلة في تحديد ما يصل إلى الجمهور الإسرائيلي والعالمي: بيانات عسكرية، خرائط، مؤتمرات صحفية، صور جوية، روايات عملياتية، وأوصاف للأهداف. لكن ظهور «نازا» و«هَمكوم» يفتح نافذة من داخل الجدار نفسه. في الحالة الأولى، أفراد من المؤسسة الاستخبارية والعسكرية يتحدثون عن الآليات التي يقولون إنها استخدمت في الحرب؛ وفي الثانية، جنود يتحدثون عن ممارسات ميدانية نسبت إلى وحدات وضباط بعينهم.

والأكثر دلالة أن رد الفعل الإسرائيلي على «نازا» لم يكن تجاهل الفيلم. فقد تعرض صانعاه، بحسب تقارير صحفية، لهجوم سياسي وإعلامي، ووصل الأمر إلى تهديدات ودعوات لمعاقبتهما، فيما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الفيلم بأنه جزء من التحريض ضد إسرائيل، بينما رفض الجيش مضمون الشهادات. وهذا في حد ذاته أصبح جزءًا من القصة: ليس فقط ماذا يقول الفيلم، بل كيف تتعامل المؤسسة السياسية والعسكرية مع إسرائيليين يقولون إن ما جرى في غزة يجب أن يُروى للإسرائيليين أنفسهم.

وفي المقابل، يكشف ملف «هَمكوم» مفارقة أخرى: المؤسسة العسكرية ليست بالضرورة عاجزة عن التحقيق في كل شيء، فقد أعلنت الشرطة العسكرية فتح فحص في القضية التي أثارها التحقيق، لكن الموقع نفسه يثير سؤالًا حول سرعة التحقيق وحدوده، ويقول إن لديه مصادر تحميها التزامات السرية الصحفية. وهذه النقطة مهمة لأنها تنقلنا من السؤال عن وجود الادعاءات إلى السؤال عن قدرة المؤسسة على محاسبة من تثبت مسؤوليته عنها.

ولذلك فإن قراءة «نازا» منفردًا قد تجعلنا نرى الحرب من أعلى، وقراءة «هَمكوم» منفردًا قد تجعلنا نراها من أسفل. أما جمعهما فيعطي صورة أكثر اكتمالًا: منظومة تستهدف من الأعلى، وجنود ينفذون على الأرض، وشهود يبدأون بالكلام، وصحفيون يفتحون الملفات، ومخرجون يحولون الشهادات إلى فيلم، ومؤسسة رسمية تجد نفسها مضطرة إلى الرد.

وهنا ربما تكمن المفارقة التاريخية الأشد قسوة: الفلسطينيون ظلوا يقولون للعالم منذ عقود ما يحدث لهم، لكن العالم كان يستطيع دائمًا أن يضع شهادتهم داخل معركة الروايات المتصارعة. أما عندما يبدأ الإسرائيلي نفسه في رواية الوقائع من داخل المؤسسة، يصبح الإنكار أكثر صعوبة، لا لأن شهادة الإسرائيلي مقدسة أو أكثر صدقًا من شهادة الفلسطيني، وإنما لأنها تأتي من داخل البنية التي كانت تنفي الرواية الفلسطينية أو تقدم لها تفسيرًا آخر.

إن «نازا» لا يلغي غزة، و«هَمكوم» لا يستبدل الشاهد الفلسطيني بالشاهد الإسرائيلي. بالعكس؛ أهميتهما أن الشهادة الإسرائيلية الجديدة تلتقي، في بعض جوانبها، مع ما ظل الفلسطينيون يقولونه طوال الوقت. فجأة تصبح هناك لغة أخرى للكارثة: لغة عبرية، بلكنة عسكرية، ومصطلحات استخبارية، وأسماء وحدات وضباط، وشهادات من داخل المؤسسة. غزة لا تحتاج إلى أن تتكلم بالعبرية كي تكون حقيقتها صحيحة، لكن حين تبدأ بعض أصوات المؤسسة الإسرائيلية نفسها في رواية ما جرى، فإن الجدار الذي كان يفصل بين «الرواية الفلسطينية» و«الرواية الإسرائيلية» يبدأ بالتصدع من داخله.

ولعل الجملة الأشد اختصارًا لكل ذلك هي: هم لم يكونوا يسمعون غزة عندما كانت غزة تتكلم؛ والآن بدأت غزة تتكلم بأصواتهم. وما بين «نازا» التي تلاحق الحرب من شاشة الاستخبارات إلى «هَمكوم» الذي يلاحقها في شوارع رفح، لم تعد القضية فقط ماذا حدث في غزة، بل ماذا سيحدث للرواية التي حاولت تفسير ما حدث، عندما يبدأ شهودها أنفسهم في الكلام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :