حين أنقذت الحكمة العالم من الحرب النووية
كامل الروضان
20-09-2026 05:41 PM
في أكتوبر 1962، لم يكن العالم ينتظر انتصار طرف على آخر، بل كان ينتظر أن يعرف أيّ قرار سيصدر أولًا: قرار يفتح باب الحرب، أم قرار يمنح السياسة فرصة أخيرة لمنعها. كانت الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا قد وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أمام أخطر مواجهة في الحرب الباردة، وكان العالم كله يقف في المسافة الفاصلة بين ضغطة زر وقرار حكيم.
كان جون كينيدي يومها أمام أزمة لا تحتمل كثيرًا من الأخطاء. كانت الخيارات العسكرية مطروحة، وكان الضغط السياسي والعسكري في أعلى درجاته، لكن كينيدي لم يجعل القوة العسكرية الطريق الوحيد للخروج من الأزمة. اختار «حجرًا صحيًا» بحريًا، وأبقى قنوات الاتصال والتفاوض مفتوحة، ومنح القرار السياسي وقتًا للعمل بدل أن يترك التصعيد يفرض مساره.
وهنا تكمن قيمة تلك الأزمة؛ فالحكمة لم تكن ضعفًا، والتريث لم يكن تراجعًا، والقوة لم تكن في استخدامها بأقصى ما يمكن، وإنما في معرفة كيف تُستخدم ومتى تتوقف. فقد كان كينيدي يدرك أن الانتصار في مواجهة نووية لا يمكن أن يكون انتصارًا حقيقيًا إذا كان ثمنه كارثة لا يستطيع أحد احتواءها.
وانتهت الأزمة بالتفاهمات وسحب الصواريخ، وبقي العالم بعيدًا عن الحرب النووية. لكن أهم ما بقي منها ليس تفاصيل المواجهة، بل الطريقة التي أُديرت بها: قوة حاضرة، ورسالة واضحة، وضغط محسوب، وفي الوقت نفسه مساحة مفتوحة للاتصال والتفاوض. لقد أثبتت أزمة كوبا أن إدارة الخطر قد تكون أهم من استعراض القوة، وأن القائد لا يُختبر فقط في قدرته على اتخاذ القرار، بل في قدرته على معرفة تداعيات هذا القرار.
ومن هنا يصبح الانتقال إلى عالم اليوم طبيعيًا، لا لأن أزمات اليوم تشبه أزمة كوبا، وإنما لأن السؤال نفسه ما زال قائمًا: ماذا يفعل أصحاب القرار عندما تصل المواجهة إلى مرحلة يصبح فيها الخطأ أغلى من أن يُحتمل؟
في الحرب الروسية الأوكرانية، كما في الحرب الأمريكية الإيرانية، لا تتوقف الحسابات عند حدود الميدان. فكل ضربة قد تستدعي ضربة أخرى، وكل تصعيد قد يفتح مسارًا جديدًا، بينما تبقى كلفة الحرب ممتدة إلى المدنيين والاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي والدولي. وفي الوقت نفسه، تستمر محاولات فتح مسارات تفاوضية وتهدئة جزئية، بما يؤكد أن الحرب والسياسة لا تسيران دائمًا في اتجاهين منفصلين.
وهنا تحديدًا يظهر درس كينيدي بصورة أكثر وضوحًا: ليس المطلوب من الدول أن تتخلى عن قوتها أو مصالحها أو حقها في الدفاع عن نفسها، وإنما أن تُبقي القرار السياسي حاضرًا حتى في أشد لحظات المواجهة. فحين تكون القوة العسكرية قادرة على توسيع الحرب، تصبح الدبلوماسية وسيلة لإدارة المخاطر، وليس علامة على الضعف.
ولذلك، فإن الدرس الأعمق من كوبا ليس أن الحكمة تمنع استخدام القوة دائمًا، بل أن الحكمة تمنع القوة من أن تتحول إلى مسار لا يملك أحد السيطرة عليه. قد تكون هناك لحظات لا بد فيها من الحزم، لكن الحزم لا يعني إغلاق كل الأبواب. وقد يكون الرد ضروريًا، لكن الرد لا ينبغي أن يلغي الحسابات المتعلقة بما سيأتي بعده.
لقد واجه كينيدي أزمة كان يمكن أن تبدأ بضربة، لكنه اختار أن يمنح السياسة وقتًا إضافيًا قبل أن يصبح القرار العسكري هو القرار الوحيد. واليوم، وفي عالم أكثر تعقيدًا وأسرع في انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى، تظل هذه الفكرة جديرة بالتأمل: ليس السؤال فقط من يملك القدرة على الضرب، بل من يملك القدرة على إبقاء باب الخروج مفتوحًا قبل أن يصبح الخروج مستحيلًا.
وهذا هو معنى الحكمة السياسية في أخطر لحظات التاريخ: أن تعرف الدولة كيف تحمي مصالحها، وكيف تحافظ على قوتها، وفي الوقت نفسه كيف تمنع الأزمة من أن تفرض على الجميع حربًا لم يعد أحد قادرًا على التحكم بنهايتها.
ففي عام 1962، أنقذت الحكمة العالم من حرب نووية. واليوم، قد لا يكون المطلوب أقل من ذلك: أن يجد أصحاب القرار، وسط أصوات التصعيد، مساحة كافية للقرار السياسي قبل أن يصبح التصعيد هو القرار الوحيد.