facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الرقمنة .. بين مؤشرات الإنجاز وواقع الميدان


لما جمال العبسه
22-09-2026 04:43 PM

تبدو الرقمنة في الأردن في ظاهرها مشروعاً استراتيجياً طموحاً يهدف إلى إدماج المملكة في خريطة الاقتصاد الرقمي الإقليمي، غير أن التقييم الفعلي للمشروع عند تقاطعه مع حياة المواطن اليومية يكشف عن ما يمكن تسميته بـ "ازدواجية إدارية" واضحة؛ ففي الوقت الذي تسجل التقارير الرسمية ارتفاعاً في نسب أتمتة الخدمات وتفعيل ملايين الهويات الرقمية، يجد المواطن نفسه مكرهاً للوقوف في طوابير الدوائر الحكومية، لتتحول التكنولوجيا في كثير من الأحيان إلى طبقة بيروقراطية إضافية تُمارَس فوق الورق لا كبديلٍ حيوي عنه، إلا في بعض المؤسسات والجهات الرسمية.

وفي مشاهدات على ارض الواقع، فإن العقدة الأولى تكمن في ضعف الثقافة الرقمية لدى الشارع إن جاز التعبير؛ حيث تغيب التوعية الموجهة التي تبني الثقة بالمعاملة الرقمية ونتائجها القانونية، وهذا النقص في الموثوقية يُبقي المواطن رهيناً لما يمكن تعريفه بالأمان الورقي، حتى لو كلفه ذلك وقتاً وجهداً مضاعفين.

كما أننا نجد هذا الخلل يستفحل نتيجة عدم التكافؤ في البنية التحتية على مستوى الافراد والمؤسسات؛ فعلى مستوى الفرد يُلاحظ ان الانتفاع بالشبكات عالية السرعة والخدمات المجهزة يقتصر على العاصمة عمان وبعض المدن الكبرى، بينما تعاني الأخرى والأطراف من هشاشة الاتصال، مما يحول مفهوم العدالة الرقمية (Digital Equity) إلى مجرد عنوان ناطق بلا تطبيق فعلي.

أما التحدي الأكثر تعقيداً فيتعلق بالمؤسسات، على سبيل المثال البنى التحتية من اجهزة ومعدات واجهزة حاسوب في معظم المؤسسات يكون تجهيزها عند المواصفات الدُنيا اي انها لا تستطيع تحمل حجم الملفات والاجتياجات للتحول الرقمي المناسب، اضافة الى ذلك ما زال مفهوم "مقاومة التغيير الإداري والهيكلي داخل المؤسسات" قائم، ويتضح ذلك من معاناة البيئة التنفيذية من صمود العقيدة البيروقراطية التقليدية؛ وذلك من خلال إصرار كادر تشغيلي واسع على طلب الحضور الشخصي والأختام التقليدية، أي أن المشكلة هنا ليست تقنية بقدر ما هي غياب لـ "إعادة هندسة الإجراءات الحكومية"، بمعنى الانتهاء تماما من بنقل الخطوات الورقية القديمة بصورها العقيمة إلى شاشات إلكترونية، بدلاً من نسخها وتبسيطها من الجذور.

وهناك تحدى اخر لا يقل اهمية عن ما ذُكر سابقا، ويتمثل في الفجوة الجيلية والشمول الرقمي؛ فالشباب يتكيفون بسلاسة، بينما يُترك كبار السن وفئات من المجتمع على هامش هذا التحول، فغياب تشريعات حاسمة ومُعززة بآليات تنفيذية تُرسخ مبدأ "المرة الواحدة او المراجعة الواحدة"، بمعنى أن لا تُطالب المؤسسة الرسمية المواطن بأي وثيقة عن دائرة حكومية أخرى، وإلا سيظل المواطن متوجساً، ويعتقد أن حقوقه وصحة معاملاته لا تصان قانونياً إلا بالإمساك بالملف الورقي.

هذه الفجوات التراكمية تخلق أثراً اجتماعياً ومؤسسياً سلبياً؛ إذ يُسهم هذا التناقض في تغذية الشعور بالاغتراب المؤسسي، حيث تُرى الرقمنة كمعايير تجميلية للتقارير الدولية وليس كأداة لتحسين جودة الحياة اليومية، بل إنها بدون مراعاة التوزيع العادل للبنية التحتية، تُخاطر بتعميق الفوارق التنموية بين المركز والمحافظات.

لا شك أن الرقمنة تشكل رافعة اقتصادية حقيقية قادرة على جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل متقدمة للشباب، وتحجيم الفساد الإداري والحد من البيروقراطية، إلا أن الانتقال من مرحلة الأتمتة الشكليّة إلى التحول الرقمي الملموس يستوجب معالجة جذرية لها مرتكزات قوية اهمها إعادة تصميم وتبسيط العمليات الحكومية قبل تحويلها إلى تطبيقات، وإنفاذ التشريعات الزامياً بحيث تفرض الموثوقية القانونية الكاملة للهوية والتوقيع الرقميين ومساواتهما بالورقي، عدا عن اهمية تطبيق مبدأ التكامل التكاملي البيني لمنع طلب الأوراق بين المؤسسات، والاهم ترسيخ العدالة الرقمية عبر الاستثمار المكثف في بنية المحافظات التحتية، وتأهيل الموظفين والكوادر الإدارية لتبني الثقافة الرقمية.

واذا ما تمكنا من تحقيق ما سبق عندها فقط ستتحول الرقمنة من منشورات ومؤتمرات إلى تجربة يومية سلسة تُحسّن جودة حياة المواطن وتُعيد بناء الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :