التنمية الاجتماعية .. حين تصبح الحماية طريقًا إلى التمكين
د. محمد خالد العزام
22-09-2026 07:12 PM
مما لا شك فيه أن وزارة التنمية الاجتماعية ليست وزارةً تُقاس أعمالها بعدد الكتب الصادرة أو الاجتماعات المنعقدة كما هو المعتاد، فهي الوزارة التي تقف عند أكثر الأبواب وجعًا في المجتمع؛ عند باب الفقر والطفولة والعجز، وعند العائلات التي قد لا يسمع أحد صوتها إلا حين تطرق أبواب الدولة، وخاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة في وطننا العزيز.
وعلاوة على ما سبق، فإن الحديث عن وزارة التنمية الاجتماعية ليس حديثًا عن حقيبة وزارية عابرة، بل عن مرآة ترى الدولة من خلالها أكثر مواطنيها حاجةً إلى الحماية والتمكين.
ومنذ أن كُلفت معالي وفاء بني مصطفى بحقيبة التنمية الاجتماعية، بدا أن ثمة محاولة جادة لإعادة رسم وظيفة وسياسة الوزارة، بحيث لا تبقى التنمية الاجتماعية أسيرة مفهوم "المساعدة"، وإنما تنتقل تدريجيًا إلى مفهوم أوسع عنوانه الحماية والتمكين وصناعة الفرصة.
وهنا تكمن أهمية تجربة التمكين؛ فالأسر الفقيرة لا تحتاج إلى مساعدة اليوم فقط، وإنما تحتاج إلى طريق يخرجها من دائرة الحاجة، والشاب الذي يغادر دار الرعاية لا يحتاج إلى باب يُغلق خلفه، بل إلى باب آخر يُفتح أمامه، وذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى حقهم في التعليم والعمل والاندماج، والمرأة المحتاجة لا تحتاج إلى خطاب مواساة بقدر حاجتها إلى فرصة تحفظ لها كرامتها واستقلالها.
هذه الفلسفة التي تبنتها الوزارة انعكست بشكل ملحوظ في مسار العمل الحكومي في الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2025-2033، التي قامت على محاور "كرامة" و"تمكين" و"فرصة" و"صمود"، في محاولة لبناء منظومة لا تكتفي بالتعامل مع نتائج الفقر والحاجة، وإنما تسعى إلى تعزيز قدرة الأسر والأفراد على مواجهة الأزمات والوصول إلى الفرص.
ولعل اللافت أن الوزارة خلال هذه المرحلة لم تتوقف عند المساعدات النقدية فحسب، بل شهد قطاع الحماية الاجتماعية توسعًا في الخدمات الإلكترونية، وخدمات الأشخاص ذوي الإعاقة والرعاية الاجتماعية، إلى جانب مسارات تمكين الأسر اقتصاديًا وربط الحماية الاجتماعية بالعمل والإنتاج.
وهذا التحول أصبح مهمًا؛ لأن الدولة التي تمنح المواطن مساعدةً ثم تتركه في المكان نفسه، تعالج العَرَض ولا تعالج المرض، أما الدولة التي تمنحه الحماية ثم تفتح أمامه نافذة للعمل والتأهيل والإنتاج، فإنها تحاول أن تغيّر المعادلة من جذورها.
ولعل من أكثر الملفات التي تستحق التوقف عندها ما يتعلق بالأطفال والشباب الخارجين من دور الرعاية. فالنظام الجديد للتهيئة والرعاية اللاحقة لمنتفعي وخريجي دور الإيواء لسنة 2026 جاء بفكرة تتجاوز الرعاية التقليدية، من خلال تهيئة المستفيد قبل مغادرة دار الرعاية، وتوفير خدمات لاحقة تشمل السكن والتعليم والتدريب والرعاية الصحية وفرص العمل حتى سن السادسة والعشرين.
وهذا في جوهره يعني أن الدولة لا تقول للشاب: "انتهت رعايتك"، بل تقول له: "انتهت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى، ونحن معك حتى تقف على قدميك".
كما أن الاتجاه نحو مهننة العمل الاجتماعي يمثل تطورًا مهمًا؛ فالموظف في الوزارة ليس موظفًا يؤدي معاملات، وإنما إنسان يتعامل مع حالات إنسانية شديدة التعقيد، تحتاج إلى معرفة وتأهيل وأخلاق مهنية ومعايير واضحة. ومن هنا فإن تنظيم ممارسة مهنة العمل الاجتماعي وتطوير التدريب والتأهيل يمكن أن يشكل نقلة في طبيعة الخدمة التي تقدمها الوزارة للمواطن.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن معالي وفاء بني مصطفى استطاعت، خلال توليها هذه الحقيبة، أن تضع ملف التنمية الاجتماعية ضمن أولويات العمل الحكومي، وأن تدفع باتجاه تطوير التشريعات والبرامج والسياسات المرتبطة بالحماية الاجتماعية. ويُحسب لها أنها تعاملت مع الوزارة باعتبارها وزارة تمس حياة الناس بشكل مباشر، وليس مجرد حقيبة إدارية تضاف إلى جدول العمل الحكومي.
لكن، وهنا يجب أن نقولها بوضوح، نجاح أي وزارة لا يقاس بعدد المبادرات التي تعلن عنها، وإنما بما يصل منها إلى المواطن.
فالاستراتيجية مهما كانت جميلة على الورق لا قيمة لها إذا بقيت في الأدراج، والبرنامج مهما كان طموحًا لا يصبح إنجازًا إلا عندما يشعر به المواطن في قريته ولوائه وبيته.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام وزارة التنمية الاجتماعية في المرحلة المقبلة: أن تصل فلسفة التمكين إلى الأطراف قبل المراكز، وأن يعرف المواطن البسيط ما هي حقوقه، وكيف يحصل عليها، وأن تكون الخدمات سهلة وواضحة، وأن تتحول البيانات والأرقام إلى نتائج ملموسة.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى وزارة تعالج الفقر، بل إلى وزارة تشارك في منع إنتاج الفقر.
ولا يحتاج فقط إلى حماية الأسرة عندما تسقط، بل إلى سياسات تساعدها على ألا تسقط أصلًا.
ولا يحتاج فقط إلى دور رعاية تؤوي الطفل، بل إلى منظومة تمنحه بعد الرعاية فرصة حقيقية ليصبح فردًا منتجًا ومستقلًا.
ومن هنا يمكن قراءة دور معالي وفاء بني مصطفى في وزارة التنمية الاجتماعية باعتبارها محاولة واضحة للانتقال بالوزارة من صورة المؤسسة التي تقدم الرعاية إلى مؤسسة تشارك في بناء منظومة اجتماعية متكاملة؛ وهي مهمة لا يمكن أن تنجح بقرار وزاري وحده، وإنما تحتاج إلى تكامل الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
ولعل ما يميز تجربة معالي وفاء بني مصطفى أيضًا أنها لم تتعامل مع التنمية الاجتماعية كملف منفصل عن بقية ملفات الدولة، وإنما كجزء من منظومة الإصلاح والتحديث، وهذا ما يجعل حضورها في هذا الملف لافتًا، ويؤكد أن العمل الاجتماعي عندما يقترن بالتخطيط والتشريع والتمكين يمكن أن يتحول من معالجة للحاجة إلى صناعة للفرصة.
ولعل أهم ما يجب أن يبقى حاضرًا في هذه المسيرة أن كرامة الإنسان ليست بندًا في موازنة، ولا رقمًا في تقرير، ولا عنوانًا في استراتيجية؛ إنها معيار الدولة الحقيقي عندما تتعامل مع أضعف مواطنيها.
لقد قطعت وزارة التنمية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة أشواطًا في التشريع والبرامج والتحول الرقمي والحماية والتمكين، وكان لمعالي وفاء بني مصطفى دور واضح في دفع هذه الملفات إلى الأمام، لكن الطريق لا يزال طويلًا، والملف الاجتماعي بطبيعته لا يعرف محطة وصول نهائية.
فكل أسرة تخرج من دائرة الحاجة إنجاز، وكل طفل يحظى بحماية حقيقية إنجاز، وكل شاب يغادر الرعاية إلى العمل إنجاز، وكل شخص ذي إعاقة يجد مكانه الطبيعي في المجتمع إنجاز، وكل امرأة تجد فرصة تحفظ كرامتها إنجاز.
وهذه هي التنمية التي نريدها: تنمية لا تطعم الإنسان سمكة فحسب، بل تعلّمه كيف يصطاد، ثم تهيئ له النهر، وتحمي حقه في الوصول إليه.
وفي المحصلة، فإن قيمة أي وزير لا تُقاس بطول بقائه في المنصب، وإنما بما يتركه من أثر مؤسسي يستمر بعده. وإذا استطاعت وزارة التنمية الاجتماعية أن تجعل الحماية الاجتماعية أكثر ارتباطًا بالتمكين، وأن تجعل الرعاية طريقًا إلى الاستقلال، وأن تجعل المواطن يعرف حقه ويحصل عليه بكرامة، فإنها تكون قد اقتربت من المعنى الحقيقي لكلمة "تنمية".
وفي هذا السياق، فإن تجربة معالي وفاء بني مصطفى تستحق التقدير، ليس من باب المجاملة، وإنما بالنظر إلى حجم الملفات التي حملتها الوزارة، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المجتمع الأردني، وما رافق المرحلة من محاولات لتطوير أدوات الحماية الاجتماعية والانتقال بها نحو التمكين وصناعة الفرص.
فالتنمية الاجتماعية ليست أن نعطي المحتاج ما يبقيه محتاجًا، وإنما أن نمنحه ما يساعده على أن يصبح قادرًا على الاستغناء.