facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك في الأمم المتحدة .. المعركة ليست على نهاية الحرب بل على شكل ما بعدها


امل خضر
22-09-2026 07:31 PM

ليست أهمية كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أنها أضافت موقفاً أردنياً جديداً إلى سجل المواقف من حرب المنطقة. الأهم أنها جاءت في لحظة بدأ فيها السؤال نفسه يتغيرلم يعد السؤال فقط كيف تتوقف الحرب؟
السؤال الذي يفرض نفسه أكثر فأكثر هو ماذا ستترك الحرب وراءها عندما تتوقف؟
وهنا تبدأ القراءة السياسية الحقيقية للخطاب.
فالشرق الأوسط لا يعيش حرباً يمكن افتراض أن نهايتها ستعيد المنطقة ببساطة إلى ما كانت عليه قبلها الحرب لا تترك وراءها دماراً بشرياً ومادياً فقط إنها تترك وقائع جديدةوموازين جديدة وحدوداً جديدة لما يصبح ممكناًأومستحيلاً في السياسة.
وهذه تحديداً هي النقطة التي تستحق التوقف عندها.
الخطر ليس فقط أن تغيّر الحرب الواقع بل أن تنجح الوقائع التي تنتجها في تغيير السياسة التي ستأتي بعدها.
في خطابه وضع الملك هذه الفكرة في قلب حديثه عن فلسطين. فقد أشار إلى أن ما كان يُعامل باعتباره مؤقتاً أصبح دائماً ثم تحول الدائم إلى سياسة محذراً من أن التعامل مع الصراع بمنطق إدارة الأزمة بدلاً من معالجة أصلها سمح للوقائع بأن تتراكم على الأرض. كما ربط بين غزة والضفة الغربية باعتبارهما مسارين متصلين في إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
وهنا تتجاوز كلمة الملك وصف الحرب إلى سؤال ما بعد الحرب.
فالحرب تستطيع أن تغيّر الواقع خلال أشهر بينما تحتاج السياسة أحياناً إلى سنوات حتى تتمكن من تغييره. وما يبدو إجراءً مؤقتاً أثناء الصراع قد يتحول إلى أمر واقع ثم إلى حقيقة سياسية ثم إلى نقطة انطلاق لأي تفاوض لاحق.
وهذه ليست مسألة فلسطينية فقط.بالنسبة إلى الأردن فإن القدس والضفة الغربية وغزة تقع في قلب حسابات تتصل بالأمن الوطني والجغرافيا والاستقرار الإقليمي ولهذا جاءت التحركات الملكية في نيويورك مرتبطة بالتحذير من فرض وقائع جديدة في القدس والضفة وغزة وبالتأكيد على حقوق الفلسطينيين ودولتهم بالتوازي مع دعم أمن سورياولبنان وسيادتهما.
أي أن السؤال الأردني لا يقتصر على كيف تنتهي الحرب؟
بل يتصل بسؤال آخرأكثرحساسية
من سيحدد شكل المنطقة عندما تنتهي؟
وهنا تكمن أهمية اليوم التالي.
فالحديث عن اليوم التالي غالباً ما يُختزل في من سيدير غزةوكيف ستتم إعادة إعمارها،وما الترتيبات الأمنية المطلوبة.
لكن هذه قراءة أضيق من المسألة.
اليوم التالي يبدأ قبلانتهاءالحرب لأن ما يحدث أثناء الحرب هو الذي يحدد جزءاً من شروط السياسة التي ستأتي بعدها
إذا جرى اختزال غزة في الإغاثة وإعادة الإعمارفقد تتحول القضية الفلسطينية من قضية سياسية تتعلق بالاحتلال والحقوق والدولة إلى أزمة إنسانية مفتوحة تُدار آثارها من دون معالجة أسبابها.
وإذا استمرت الوقائع المتغيرة في الضفة والقدس فإن حل الدولتين لن يبقى فقط مشروعاً سياسياً مؤجلاً بل سيصبح أكثر صعوبة مع كل واقع جديد يترسخ على الأرض لهذا فإن التمسك الأردني بالحل السياسي لا يُقرأ فقط بوصفه تكراراً لموقف معروف.
إنه في جوهره دفاع عن فكرة أن القضية الفلسطينية يجب ألا تُدار باعتبارها نتيجة للحرب بل باعتبارها أصل واحدة من أهم أزمات المنطقة التي تحتاج إلى حل سياسي.
وهنا تتصل فلسطين بالأمن الأردني.
فالقدس بالنسبة إلى عمان ليست ملفاً خارجياً عادياًوالضفة الغربية ليست جغرافيا بعيدة عن حسابات المملكة ولهذا حذر الملك في لقاءاته السابقة للخطاب من محاولات فرض وقائع جديدة في القدس والضفة وغزة وربط ذلك بالحاجة إلى حماية حقوق الفلسطينيين ودعم قيام دولتهم على أساس حل الدولتين لكن ثمة مفارقة أعمق.
الأردن يريد منع تثبيت وقائع جديدة لكنه يعمل في بيئةسياسية لا يملك فيها وحده أدوات منعها.
وهنا يصبح التحليل أكثر واقعية.
فالمملكة تمتلك موقعاً جغرافياً حساساً وشبكة علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية ودوراً خاصاً في القدس وقدرة على التواصل مع أطراف متعددةلكنها لا تمتلك منفردة أدوات إعادة تشكيل الصراع أو فرض تسوية على القوى التي تملك أدوات القوة المباشرة.
لذلك فإن قيمة الدبلوماسية الأردنية لا تُقاس بقدرتها على فرض النتيجة وإنما بقدرتها على التأثير في البيئة التي ستُصنع فيها النتيجة.
وهذا يفسر جانباً من كثافة التحرك الملكي في نيويورك فاللقاءات مع مسؤولين عرب وأوروبيين لم تقتصر على القضية الفلسطينية بل تناولت أيضاً أمن لبنان وسوريا، والتهدئة الإقليميةوسيادة الدول العربيةوالعلاقات الأردنيةالأوروبية.
والمغزى السياسي هنا أن الأردن لا يتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة تماماً.
فالحرب في مكان يمكن أن تغير حسابات مكان آخر والفراغ السياسي يمكن أن يتحول إلى فراغ أمني والوقائع التي تتشكل في دولة يمكن أن تمتد آثارها إلى جيرانها.
لكن الأهم أن خطاب الملك لم يضع القوة العسكرية في مواجهة السلام بوصفهما شعارين متناقضين بل طرح سؤالاً أكثر عملية ماذا تستطيع القوة أن تحقق وماذا تعجز عن تحقيقه؟
في نهاية الخطاب قال الملك بوضوح إن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها تقديم حلول ذات معنى وإن بناء السلام يحتاج إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية وثقة بين الدول واتفاقات يجري احترامها وتطبيقها.
وهنا يصبح الفرق بين إيقاف القتال وإنهاء الصراع واضحاً.
قد تتوقف العمليات العسكرية، وقد تبدأ إعادة الإعماروقد تُنشأ ترتيبات أمنية جديدة.
لكن كل ذلك لا يجيب وحده عن السؤال السياسي ماذا سيحدث للأسباب التي أنتجت الحرب؟
وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وحلها.
إدارة الأزمة تبحث عن كيفية تخفيف الخطر.
أما حل الأزمة فيبحث عن كيفية منع عودته.
ومن هذه الزاويةفإن أقوى ما في خطاب الملك ليس كثرة الملفات التي تناولها وإنما الربط بينها تحت فكرة واحدة ما يتم تجاهله اليوم يمكن أن يصبح مشكلة الغد.
فالملك بدأ خطابه بفكرة الانتباه باعتباره مورداً سياسياً محدوداً، ثم عاد في نهايته إلى أن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله بل أيضاً بما نختار تجاهله.
وهنا يصبح الأمر أكثر من استعارة.
في السياسة الدولية ما يفقد انتباه العالم قد يتحول إلى واقع أقل قابلية للتغيير.
وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار التي يمكن استخراجها من الخطاب.
فالوقائع لا تحتاج دائماً إلى قرار دولي كي تستمر
يكفي أحياناً أن يغيب الفعل السياسي فترة طويلة حتى تتحول الوقائع إلى أمر معتاد ثم إلى أمر مقبول ثم إلى أساس يجري التفاوض عليه.
الفراغ السياسي ليس فراغاً حقيقياً. إذا لم تملأه السياسة تملؤه الوقائع.
ولهذا فإن اليوم التالي ليس مرحلة تنتظر انتهاء الحرب.
إنه معركة تبدأ أثناء الحرب.
فمن ينجح في تثبيت الوقائع أثناء الصراع يدخل المفاوضات من موقع مختلف.
ومن ينجح في الحفاظ على القضية السياسية حية يمنع تحويل الحرب إلى نهاية سياسية للصراع.
وهنا تحديداً تظهر أهمية الموقف الأردني وحدوده في الوقت نفسه.
الأردن يستطيع أن يحذر ويشرح، ويبني التحالفات ويحشد المواقف ويستخدم شبكة علاقاته وموقعه السياسي والدبلوماسي.
لكنه لا يستطيع وحده أن يفرض على المنطقة شكل مستقبلها.
وهذه ليست نقطة ضعف في التحليل بل هي شرط واقعيته.
فالدبلوماسية لا تُقاس دائماً بما تستطيع الدولة فرضه وإنما أيضاً بما تستطيع منعه من أن يصبح أمراً مسلماً به وما تستطيع إبقاءه مفتوحاً أمام السياسة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الإصرار الأردني على إبقاء الدولة الفلسطينية والقدس والضفة وغزة في قلب النقاش لا على هامشه.
فالمعركة هنا ليست فقط على صياغة بيان جديد.
إنها على منع الحرب من أن تنتج تعريفاً جديداً لما هو ممكن في فلسطين.
إذا أصبح الاحتلال واقعاً دائماً يصبح التفاوض مختلفاً.
إذا أصبحت الإزاحة واقعاًيصبح الحديث عن العودة مختلفاً.
إذا أصبحت الوقائع الجغرافية أكثر ترسخاًيصبح حل الدولتين أكثر تعقيداً.
وإذا أصبحت إدارة الأزمة بديلاً دائماً عن الحل السياسي، فإن المؤقت يصبح نظاماً قائماً بذاته.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
الحرب لا تحاول فقط تغيير ما هو موجود على الأرض نتائجها قد تعيد تعريف ما يمكن أن تطلبه السياسة على الأرض.
وهذه هي المعركة الحقيقية على اليوم التالي.
فالمطلوب ليس فقط أن تتوقف الحرب، وإنما ألا تصبح نتائجها نقطة البداية الوحيدة للسياسة المقبلة.
ولهذا لا يكفي أن نسأل من سيدير غزة بعد الحرب؟
السؤال الأوسع هو أي نظام سياسي سيخرج من الحرب؟
هل سيكون نظاماً يقوم على إدارة آثارها وتأجيل جذورها؟
أم مساراً سياسياً يعيد فتح الأسئلة التي حاولت الوقائع الجديدة إغلاقها؟
هنا يصبح دور الأردن مفهوماً في سياقه.
ليس بوصفه الدولة التي تستطيع أن تحسم الصراع وإنما بوصفه دولة تحاول التأثير في قواعد المرحلة المقبلة والدفع باتجاه ألا تتحول نتائج القوة إلى حقائق سياسية غير قابلة للنقاش.
وهذا يفسر أيضاً لماذا لا يمكن فصل كلمة الملك عن تحركاته الدبلوماسية في نيويورك.
فلقاؤه مع رئيس المجلس الأوروبي تناول التصعيد الإقليمي وأمن الدول العربية والضفة والقدس ودعم لبنان وسوريا، فيما تناولت لقاءاته مع القيادة الكويتية ورئيس الوزراء اللبناني تعزيز العمل العربي المشترك وأمن الدول وسيادتها.
إنها، في مجموعهامحاولة لربط القضية الفلسطينية بالاستقرار الإقليمي لا فصلها عنه.
لكن السياسة تبدأ حيث ينتهي الخطاب.
فالخطاب يستطيع أن يحدد الخطروالدبلوماسية تستطيع أن تحشد المواقف.
أما تحويل ذلك إلى واقع فيحتاج إلى موازين قوى وتحالفات ومفاوضات وضمانات وإرادة لدى الأطراف التي تملك أدوات التنفيذ.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لما بعد نيويورك.ليس ماذا قيل؟
بل ماذا سيحدث بعد أن قيل؟
هل تتحول التحذيرات من فرض الوقائع إلى سياسة دولية قادرة على الحد منها؟
هل يبقى حل الدولتين إطاراً سياسياً قابلاً للعمل أم يصبح مجرد عبارة تُستعاد في البيانات؟
هل يصبح وقف الحرب بداية لمسار سياسي أم مجرد استراحة بين جولتين؟
كلمة الملك وضعت القضية في مكان أكثر عمقاً من مجرد المطالبة بوقف الحرب.
لقد نقلت النقاش إلى السؤال الذي غالباً ما يأتي متأخراً في السياسة رغم أنه يبدأ مبكراً على الأرض
من يكتب اليوم التالي؟
فالحرب قد تتوقف في يوم.
لكن الوقائع التي صنعتها لا تتوقف تلقائياً.
والأرض لا تعود إلى ما كانت عليه بمجرد إعلان الهدنة.
والقضايا التي لم تُحل لا تختفي لأنها خرجت مؤقتاً من شاشات الأخبار.
لهذا فإن المعركة ليست فقط على نهاية الحرب.
إنها على ما إذا كانت نهاية الحرب ستفتح الطريق أمام السياسةأم ستمنح الوقائع التي صنعتها الحرب حق كتابة السياسة وحدها.
وهنا في تقديري تكمن الفكرة المركزية في خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة
أن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب ليس فقط أن تدمر الحاضر بل أن تفرض على المستقبل قواعد صاغتها القوة وحدها.
ولهذا لم يكن السؤال الذي حمله الأردن إلى نيويورك فقط
كيف تنتهي الحرب؟
بل السؤال الأصعب
أي مستقبل نريد أن يبدأ عندما تنتهي؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :