بهدوئه المعهود وثقله السياسي، وبينما يجري السباق بين القوى على رسم الخرائط السياسية، اختار جلالة الملك عبدالله الثاني الدولة والمؤسسات والجيش والأمن وحماية استقرار الدولة العربية ودعم مؤسساتها وليس النفوذ، بما منح الاردن مساحة تأثير تتجاوز حجمه الجغرافي، قائلاً ان وجوده ليس تفصيلاً بل جزء من هندسة الاستقرار، وليس متلقياً لنتائجه.
تحمل اجتماعات العقبة بصمة الملك عبدالله الثاني بجعلها ليس فقط منصة للحوار بل مساحة يمكن أن تلتقي فيها الحسابات الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية، فزيارة جلالته الى باريس ليس حدثًا بروتوكوليًا، فخلف المعلن تتحرك معادلة أكبر، بوقوف لبنان أمام إعادة تشكيل لدوره الأمني ومحاولة فرنسا تثبيت موقعها كلاعب رئيسي بعد ان وجدت نفسها في معادلة تضم الولايات المتحدة ودولا عربية وأوروبية والأمم المتحدة بدرجات مختلفة فأصبحت لا تخفي خصوصية علاقتها بلبنان، فالتاريخ يمنحها نفوذاً والدبلوماسية تمنحها أبواباً والاجواء الحالية تمنحها فرصة لذلك كان من الضروري ان تحافظ باريس على مكانتها في معادلة صياغة لبنان القادم، لامتلاك مفاتيحه عندما تتغير قواعد اللعبة.
لتكمن اهمية اللقاء الثلاثي بن جلالته والرئيسين اللبناني والفرنسي لمناقشة من سيملأ الفراغ الأمني في جنوب لبنان، ومن سيمتلك القدرة على دعم الجيش اللبناني سياسياً وعسكرياً، ففي باريس لم يكن اللقاء مجرد ثلاثة قادة يجلسون حول طاولة بل كانت لايجاد الاجابات لخريطة نفوذ تُرسم.
اللقاء في باريس ليس لتوثيق الوقت، بل ليقول شيئاً عن الذي لم يأتِ بعد، فحضور جلالته اكد أن العقبة ليست مكانًا بل مسار، فالانتقال من العقبة إلى باريس ليس انتقالًا من مدينة إلى مدينة بل إنه انتقال من المكان إلى الفكرة، فحين تنتقل المبادرة من الاردن إلى فرنسا، ثم إلى بلدان ومؤسسات دولية مختلفة، فإن قيمتها لا تعود مرتبطة بالجغرافيا، وإنما بقدرة الأردن على حمل صيغة الحوار إلى ساحات تتقاطع فيها مصالح دول كبرى وقوى إقليمية ودولية.
ففرنسا لم تستضف اجتماعًا أمنيًا عابرًا بل استضافت جولة من مسار يحمل بصمة أردنية ويجمع لبنان وفرنسا والأردن، وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد دعم ثنائي للجيش اللبناني بل محاولة لبناء توافق متعدد الأطراف حول مستقبل قدرة الدولة اللبنانية الأمنية وهذا هو القيمة السياسية الأعمق للحضور الأردني، فالأردن ليس ليدخل إلى هذه المعادلات بحثًا عن حصة في النفوذ، ولا ليكون طرفًا في إعادة توزيع الأدوار، بل ليحاول التأثير في شكل القواعد التي ستنتجها المرحلة المقبلة، فحين يكون البديل عن الدولة هو الفراغ، وعن المؤسسات هو تعدد القوى، تصبح حماية الدولة بحد ذاتها موقفًا سياسيًا، وربما لهذا جاء حضور جلالة الملك في باريس في توقيته ومكانه ورسائله، ليقول إن الأردن لا ينتظر أن تُرسم خريطة المنطقة ثم يبحث عن موقعه فيها، بل ليكون حاضرًا عندما تُرسم، وأن يدعم اتجاه أن تكون الدولة ومؤسساتها جزءًا من الخريطة الجديدة.
حمى الله أمتنا
حمى الله الأردن
الدستور