facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما وراء خطاب الملك .. عندما تتحول الدبلوماسية إلى ردع استراتيجي


صالح الشرّاب العبادي
23-09-2026 09:22 AM

كما هي خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني التي اعتدنا أن تحمل في كل مرة رسائل تتجاوز الكلمات المباشرة، جاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قويًا في مضمونه، عميقًا في دلالاته، واضعًا قادة العالم أجمع أمام مسؤولياتهم، لكنه في الوقت ذاته حمل رسائل استراتيجية تتجاوز ما قيل على المنصة إلى ما يمكن أن يحدث في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

سمعت الخطاب بتمعن وسأحاول ان اكتشف ما الذي تغيّر في طريقة قراءة الأردن للمشهد الإقليمي من خلال ما وراء الخطاب ؟

المتغير الأبرز ليس في الموقف الأردني من القضية الفلسطينية، فهذا ثابت، وإنما في اتساع مفهوم الأمن القومي الأردني ليشمل ما يجري على امتداد البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأردن.

فالخطاب وضع غزة والضفة في سياق واحد، بما يعني أن المسألة لم تعد مجرد حرب أو مواجهة عسكرية مؤقتة، وإنما صراع على الجغرافيا وعلى شكل الدولة الفلسطينية ومستقبل الإقليم. وهنا تصبح القضية الفلسطينية، في القراءة الاستراتيجية، جزءًا من معركة إعادة تشكيل المنطقة، لا مجرد ملف ينتظر تسوية سياسية ، مع الاشارة القوية إلا عدم التفات الدول صاحبة القرارات الدولية إلى هذه القضية والقضايا الصغيرة التابعة لها حتى اصبحت اسرائيل تتمادى بشكل صريح امام العالم دورن تحرك جاد وحقيقي لوقفها .،

لكن الرسالة الأكثر أهمية تظهر عند الانتقال إلى جنوب سوريا.

هنا تحديدًا تبدو اللغة الأردنية أكثر حسمًا. فجنوب سوريا لم يعد مجرد منطقة مضطربة على الحدود، بل أصبح في الحسابات الأردنية جزءًا من العمق الاستراتيجي للأمن الوطني، خصوصًا عندما تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع المياه والحدود وحركة النفوذ الإقليمي.

وهذا يعني أن الأردن لا ينظر فقط إلى من يسيطر على الأرض وهي اسرائيل طبعا ، وإنما إلى ما يمكن أن ينتج عن هذه السيطرة من تهديدات حالية ومستقبلية.

ومن هنا تأتي أهمية الأمن المائي. فالمياه لم تعد قضية خدمات وتنمية فقط، وإنما تتحول تدريجيًا إلى عنصر من عناصر الأمن القومي ، وفي منطقة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، فإن السيطرة على الموارد أو التأثير فيها قد تكون أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

أما الرسالة السياسية الأهم، فهي أن الأردن لا يريد مواجهة أحد، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول الدبلوماسية إلى غطاء لفرض وقائع جديدة بالقرب من حدوده. ولذلك جاءت الإشارة إلى أن الدبلوماسية ليست ضعفًا بمثابة رسالة ردع سياسية هادئة ، أن الدبلوماسية السياسية قد تتوقف في لحظة ما وتتحول الى مواجهة إذا ما واصلت اسرائيل في غيها وتماديها وهذا ليس بمستبعد .،

والأردن هنا لا يعلن استراتيجية حرب، وإنما استراتيجية منع انتقال الحرب ونتائجها إليه؛ منع انتقال تداعيات غزة إلى الضفة، ومن الضفة إلى سوريا، ومن سوريا إلى الحدود والمياه والأمن الوطني الأردني.

الملك جرّد الحكومة الاسرائيلية وفضحها واشار بيده إلى الوفد الاسرائيلي ان هذه الحكومة متطرفة مارقة كاذبة لا تريد السلام بقدر ما ترغب باستمرار التوترات ، والاستمرار بالتمادي دون رادع عالمي او دولي او ادنى رادع ، متذرعة تارة بالتهديد العقائدي وتارة بالخطر المحدق بها وتارة بانها دولة محاطة بالاعداء وكل ذلك من اجل بقاء المنطقة على صفيح ساخن، علماً انها ترفض السلام التي تدعي انها تريده ،،

ولعل أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس اندلاع حرب جديدة بالضرورة، وإنما تراكم الوقائع الصغيرة: خطوة عسكرية، تغيير جغرافي، تمدد نفوذ، واقع مائي جديد، ثم صمت دولي… إلى أن تتحول هذه التفاصيل المتفرقة إلى واقع استراتيجي كبير يصعب تغييره ، او تغيره إلا بالمواجهة المباشرة.

ولعل الرسالة الأعمق التي تختبئ بين سطور الخطاب أن الأردن لا ينتظر الخطر حتى يصبح واقعًا، ولا ينظر إلى الأمن بمنظار رد الفعل، وإنما يقرأ ما يتشكل حوله قبل أن يكتمل.

فالخرائط لا تتغير دفعة واحدة، والتهديدات الكبرى لا تبدأ عادةً بحرب معلنة؛ بل تبدأ بخطوة صغيرة، وواقع جديد، وصمت دولي، ثم تتراكم الوقائع حتى يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أمرًا واقعًا اليوم.

ولهذا فإن رسالة الأردن اليوم ليست تهديدًا لأحد، وإنما تحذير للجميع: لا تختبروا صبر دولة اختارت السلام، ولا تفسروا دبلوماسيتها على أنها غفلة، ولا هدوءها على أنه ضعف.

فالأردن يعرف تمامًا أين تبدأ حدوده، ويعرف أين تبدأ مصالحه، ويعرف أن أمنه المائي والجغرافي والسياسي ليس مجالًا للمساومة.

وهنا تكمن قوة خطاب الملك: أنه لم يرفع سقف المواجهة، بل رفع سقف الوعي؛ ولم يعلن معركة، بل أعلن أن للأردن خطوطًا لا ينبغي لأحد أن يقترب منها.

وفي عالم تتغير فيه الخرائط تحت ضغط القوة، تبقى أخطر معركة هي تلك التي يخسر فيها الآخرون أرضهم ومصالحهم وهم يظنون أن شيئًا لم يتغير.

والأردن، كما قال الملك بوضوح، لن يشيح بنظره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :