خطاب الملك في الأمم المتحدة: الأردن في مواجهة تحولات إقليمية خطرة
أ.د.فيصل الرفوع
23-09-2026 09:34 AM
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتجاوز فيها تداعيات الحرب في غزة حدود فلسطين، وتتسع معها دائرة الأزمات والتوترات في المنطقة. ولذلك لم يكن الخطاب مجرد إعادة تأكيد للمواقف الأردنية المعروفة، بل حمل قراءة سياسية واضحة لما يواجه المنطقة من مخاطر، وما يواجه النظام الدولي نفسه من اختبار حقيقي لمصداقيته.
ولعل الرسالة الأكثر أهمية في الخطاب تتمثل في أن المجتمع الدولي أمضى عقوداً في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدلاً من حله. وهذه مسألة جوهرية؛ فإدارة الأزمات قد تؤجل انفجارها، لكنها لا تعالج أسبابها. وما شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن غياب الحل السياسي العادل لا ينتج أمناً، وإنما يؤسس لجولات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وفلسطين، في الرؤية الأردنية، ليست قضية إنسانية فحسب، رغم فداحة المعاناة الإنسانية، وإنما قضية سياسية وقانونية تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ومن هنا جاء الربط في الخطاب بين غزة وما يجري في الضفة الغربية من استيطان وعنف وتهجير ومحاولات لتغيير الوقائع على الأرض، بما يهدد بصورة متزايدة إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المنشودة.
غير أن أهمية الخطاب تتجاوز فلسطين إلى الأمن الوطني الأردني. فالأردن ليس بعيداً جغرافياً أو سياسياً عما يجري حوله. وأي تغيير جوهري في الضفة الغربية، أو محاولة للتهجير، أو اضطراب ممتد في جنوب سوريا، أو مساس بالحدود والمياه، يحمل انعكاسات مباشرة على الأمن والمصالح الوطنية الأردنية.
ومن هنا يمكن فهم التحذير الملكي من النزعات التوسعية ومن محاولة فرض وقائع إقليمية جديدة بالقوة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمواجهة عسكرية محدودة أو أزمة عابرة، وإنما بمستقبل النظام الإقليمي وحدوده وتوازناته. وأي محاولة لإعادة رسم هذا النظام من خلال القوة العسكرية يمكن أن تفتح المنطقة أمام مرحلة جديدة من الصراعات وعدم الاستقرار.
وفي الوقت ذاته، وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام سؤال لا يمكن تجاهله: ما قيمة القانون الدولي إذا لم يطبق على الجميع؟
فالمشكلة ليست في غياب المواثيق والقرارات الدولية، وإنما في الانتقائية في تطبيقها. وعندما يشعر العالم بأن القانون يطبق على دولة ولا يطبق على أخرى، فإن الضرر لا يصيب قضية بعينها، بل يصيب صدقية النظام الدولي بأكمله. وهذه مسألة تهم الأردن والدول الصغيرة والمتوسطة بصورة خاصة، لأن حماية سيادتها وأمنها تعتمد على وجود نظام دولي تحكمه القواعد، لا موازين القوة وحدها.
وكان لافتاً أيضاً تناول جلالة الملك تأثير التكنولوجيا وتسارع تدفق المعلومات في اهتمام العالم بالقضايا الإنسانية. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، تصل مشاهد الحروب والمآسي إلى العالم في ثوانٍ، لكنها قد تختفي من اهتمامه بالسرعة ذاتها. والخطر هنا أن تتحول معاناة الشعوب، وفي مقدمتها معاناة الشعب الفلسطيني، إلى مشهد يومي يعتاد عليه العالم.
إن قراءة خطاب جلالة الملك تظهر أن السياسة الأردنية تتحرك اليوم على مسارات مترابطة: الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض التهجير، والحفاظ على حل الدولتين، وحماية الأمن الوطني الأردني وحدوده ومياهه، وفي الوقت نفسه الدفاع عن الشرعية الدولية وحق دول المنطقة وشعوبها في الأمن والاستقرار.
كما حمل الخطاب رسائل واضحة إلى أطراف متعددة. فالمجتمع الدولي مطالب بالانتقال من إدارة الصراع إلى العمل الجاد من أجل حله؛ وإسرائيل مطالبة بإدراك أن أمنها لا يمكن أن يتحقق على حساب الحقوق الفلسطينية أو سيادة وأمن دول الجوار؛ فيما يؤكد الأردن للفلسطينيين استمرار موقفه الداعم لحقوقهم المشروعة، وللأردنيين أن حماية الوطن وسيادته ومصالحه العليا تبقى في مقدمة الأولويات.
لقد أعاد جلالة الملك في خطابه وضع القضية الفلسطينية في مكانها الصحيح: قضية سياسية وحقوقية وإنسانية تقع في قلب أمن الشرق الأوسط ومستقبله. كما أكد أن أمن الأردن ليس منفصلاً عما يجري في محيطه، وأن الاستقرار الحقيقي لا يصنع بالقوة العسكرية وحدها.
والرسالة التي يمكن استخلاصها من الخطاب واضحة: لا أمن بلا عدالة، ولا استقرار في المنطقة من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، ولا مصداقية لنظام دولي إذا لم يكن القانون فيه واحداً للجميع.
وهذه ليست رسالة أردنية إلى الأمم المتحدة فحسب، بل تحذير سياسي من أن استمرار إدارة الأزمات، بدلاً من حلها، قد يجعل أثمان الغد أكبر بكثير من أثمان اليوم.