تمتاز العلاقة الكندية - الأمريكية بأنها علاقة قوية و ناجحة لم تبن بين عشية و ضحاها، لكنها علاقة قديمة متجددة، فطول الحدود و التي تبلغ ٨٩١ كم تدعم تلك المصالح المتبادلة بين الدولتين. فهما ترتبطان بشراكة اقتصادية و ثقافية و أمنية مهمة، و لم تكن في يوم الروابط الكندية - الأمريكية محل للتوتر و التردد، إنما روابط عميقة و متغلغلة في كل قطاعات التجارة و الاستثمار و الأمن و الثقافة قائمة على التعاون في معظم المجالات بما في ذلك التطلعات المستقبلية بما يخدم المشاريع الاستثمارية و التجارية الحيوية.
و نجاح العلاقة الثنائية بين الدولتين في القارة الأمريكية الشمالية، اعتبرت لدى العديد من الباحثين و المطلعين على الشأن الكندي و الأمريكي من أنجح العلاقات الثنائية، سيما و أن القرارات السياسية اتسمت بالتشابه والتنسيق إلى حد كبير، ولم تشهد العلاقات بين أكبر دولتين في قارة أمريكا الشمالية أي توتر يثير الخلافات و الانقسام، بل امتازت بالاستقرار طويل المدى و إن حدث تباين في وجهات النظر تعد عابرة و بالإمكان احتوائها.
و تسليط الضوء على الشراكة التجارية الكندية - الأمريكية يظهر مدى تجذر تلك الشراكة، فحجم التبادل التجاري على سبيل المثال بينهما فريد من نوعه، إذ تستحوذ السوق الأمريكية على ٧٣٪ من إجمالي الصادرات السلعية الكندية، بينما تستورد كندا نحو ٤٦٪ من احتياجاتها السلعية من الولايات المتحدة الأمريكية، مما يدل على أن نسبة الاستثمار بينهما مرتفع، فكتدا ثاني أكبر مستثمر في الولايات المتحدة الأمريكية في حين تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر المستثمرين في كندا، فالترابط الاقتصادي و الاستراتيجي قوي و ذو منافع عالية بين الدولتين، تكللت باتفاقيات شراكة فاعلة و جوهرية كاتفاقية التجارة الحرة عام ١٩٨٩، ثم اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية ( نافتا) عام ١٩٩٤، و اتفاقية (US MCA) عام ٢٠٢٠ بين أمريكا و كندا و المكسيك، ناهيك عن التوأمة بين ولايات و مدن كندية و نظيراتها الأمريكية.
و على الرغم من الشراكة الاقتصادية القوية و التي شكلت طفرة نوعية في العلاقة الوطيدة بين الدولتين و أكبر دليل حجم التجارة البينية بينهما يقدر بتريليون دولار فمثلا تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مستورد للخشب من كندا، لكن شكل التراجع في حجم الصادرات و الواردات بينهما مستوى غير مسبوق، فمنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقاليد الرئاسة، شهدت العلاقات مع كندا توترا ملحوظا وظاهرا للعيان، حيث خفضت نسبة الصادرات الكندية للسوق الأمريكية بحجة دعم المنتج المحلي، ووضعت رسوما جمركية على الواردات الكندية، و مع التوتر الذي ساد العلاقات بين الدولتين شكل ما يشبه حربا تجارية خفية، وزاد من حدة التوتر التصريح الاستفزازي للرئيس الأمريكي ترمب في إمكانية ضم كندا لأمريكا و اعتبارها الولاية الحادية و الخمسين مما طفى على الساحة السياسية الكندية مصطلح " تقليل الاعتماد الاستراتيجي" على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم إعلان رئيس الوزراء الكندي انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي و بداية شراكة مثمرة مع دول الاتحاد الأوروبي. فهل تشكل الخطوة الكندية المضادة لإجراءات إدارة ترمب التمهيد لتفكيك روابط الشراكة التجارية و غيرها مع أمريكا؟! أم تدشن لعهد جديد من العلاقات الكندية الأوروبية بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟!