خطاب الملك .. رسائل حاسمة في زمن الالتباس
السفير جمعة العبادي
23-09-2026 10:42 AM
في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، واضحاً وصريحاً وحازماً، حاملاً رسائل سياسية وإنسانية وقانونية تتجاوز حدود الموقف الأردني إلى مخاطبة المجتمع الدولي ووضعه أمام مسؤولياته تجاه الأزمات التي تعصف بالمنطقة والعالم.
وقد اكتسب الخطاب أهمية خاصة لكون جلالة الملك كان ثالث المتحدثين بين قادة الدول، وأول قائد عربي يلقي كلمته في المناقشة العامة للدورة الـ81، بما منح الرسائل التي حملها الخطاب وبلغة يفهمها العالم ، حضوراً مبكراً ومؤثراً على أهم المنابر العالميه .
ولخطابات جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والمحافل الدولية حضور خاص ومصداقية راسخة، لما تتسم به من وضوح واتزان وصراحة، ولما تعكسه من خبرة سياسية ودبلوماسية عميقة، ومن قدرة على الجمع بين التشخيص الدقيق للأزمات وطرح الرؤى والحلول لمعالجتها.
وكانت القضية الفلسطينية في قلب الخطاب، باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، وباعتبار أن ما يجري في غزة والضفة الغربية ليس أزمات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في مسار يهدد بتقويض حل الدولتين وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقد كان جلالة الملك مباشراً وواضحاً في توصيف ما يجري، وفي التأكيد أن المجتمع الدولي اختار، على مدى عقود، إدارة الصراع بدلاً من مواجهته واتخاذ موقف حاسم لإنهائه، الأمر الذي سمح بتحول ما كان يُنظر إليه باعتباره مؤقتاً ومرحلياً إلى واقع دائم وسياسات راسخة على الأرض.
ومن هنا جاءت الرسالة الملكية إلى المجتمع الدولي: إن استمرار الاحتلال وانتهاك القانون الدولي لعقود يطرح سؤالاً جوهرياً حول قيمة هذا القانون إذا لم تتم مساءلة من ينتهكه، وحول قدرة المجتمع الدولي على فرض قواعده إذا بقيت القرارات حبراً على ورق.
وكان من أكثر الرسائل قوة ووضوحاً في الخطاب أن جلالة الملك لم يكتفِ بوصف المأساة الإنسانية، وإنما تحدث عن الانتهاكات والأعمال العدوانية والتوسعية والاستيطانية الإسرائيلية التي ترتقي إلى جرائم حرب، مؤكداً ضرورة المساءلة وعدم السماح باستمرار حالة الإفلات من العقاب.
وفي هذا السياق، أشار جلالته إلى أدوات يمكن للمجتمع الدولي استخدامها، من بينها العقوبات، وتجميد الأصول، وحظر التصدير، والعزلة الدبلوماسية، مؤكداً أن القانون الدولي لا يمكن أن تكون له مصداقية إذا بقي تطبيقه انتقائياً.
كما حمل الخطاب رسالة بالغة الأهمية في رفض محاولة تصوير الصراع على أنه حرب بين الأديان ، بين اليهودية والمسيحية من جهة والإسلام من جهة أخرى. وقد جاء الموقف الملكي حاسماً في التأكيد أن الصراع ليس حرباً دينية ، وإنما قضية احتلال وحقوق وعدالة وقانون دولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.
وهذه الرسالة في غاية الأهمية، لأن إضفاء الصبغة الدينية على الصراع من شأنه تحويل صراع سياسي وقانوني إلى مواجهة دينية مفتوحة، بما يغذي الكراهية والانقسام بين أتباع الديانات. ومن هنا تأتي أهمية القدس بوصفها مدينة للتعايش والسلام، وضرورة الحفاظ على هويتها ووضعها التاريخي والقانوني، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها.
وفي السياق ذاته، أكد جلالته أن العالم لا يستطيع الاستمرار في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى ما لا نهاية ، فإدارة الأزمات قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تصنع السلام ولا تعالج جذور الصراع .
ولهذا جاء التأكيد على حل الدولتين، وفق الشرعية الدولية، باعتباره الطريق السياسي الذي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويوفر أساساً للسلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، كان الأردن حاضراً بقوة في خطاب جلالة الملك، باعتباره دولة تتأثر بصورة مباشرة بتداعيات ما يجري حولها، لكنها في الوقت ذاته دولة متمسكة بثوابتها ومدركة لمصالحها الوطنية.
فالأردن، وهو يدافع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، يدافع في الوقت ذاته عن أمنه الوطني وسيادته وحدوده ، وإشارته هنا أيضاً إلى حدود الأردن الشمالية ، ومياهه ومصالحه العليا، ويرفض أن تتحول الأزمات الإقليمية إلى وقائع مفروضة على حساب أمن المملكة واستقرارها.
وهذه الرسالة تختصر جوهر السياسة الأردنية: المتمثلة في دبلوماسية نشطة من أجل السلام، وثبات في الموقف، ويقظة دائمة لحماية الأمن الوطني والمصالح العليا للدولة. فالدبلوماسية لا تعني التنازل عن الحقوق، والسلام لا يعني القبول بفرض الأمر الواقع، والانفتاح على الحوار لا يعني التفريط بالأمن الوطني.
إن أهمية خطابات جلالة الملك أمام المحافل الدولية لا تنبع فقط من موقع الأردن، وإنما من المصداقية التي راكمتها هذه الخطابات عبر السنوات، ومن قدرتها على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة تجمع بين الواقعية السياسية والقيم الإنسانية والقانون الدولي.
لقد كان خطاب جلالة الملك في الدورة الـ81 تعبيراً واضحاً عن ثوابت الأردن: القضية الفلسطينية في الصدارة، ورفض الاحتلال والتهجير والتوسع والاستيطان، ومساءلة الانتهاكات، ورفض إضفاء البعد الديني على الصراع، والتمسك بالقدس ومقدساتها، والدعوة إلى حل الدولتين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن أمن الأردن وسيادته ومياهه ومصالحه الوطنية خطوط لا يمكن تجاوزها.
الخطاب الملكي الهام تضمن رسائل حاسمة في زمن الالتباس: كلمة أردنية واضحة في زمن تتداخل فيه المواقف، ورسالة إلى العالم بأن السلام لا يصنعه الصمت، وأن الصراع لا ينتهي بإدارته، وأن القانون الدولي لا تكون له قيمة حقيقية ما لم تقترن قواعده بالمساءلة والتطبيق والتنفيذ، وأن الأردن سيبقى ثابتاً على ثوابته، قوياً في حماية مصالحه، ومتمسكاً بخيار السلام العادل والدائم.