facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك للعالم .. لا تجعلوا التجاهل سياسة


الدكتورة ميس حياصات
23-09-2026 11:36 AM

في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يذهب جلالته إلى تعداد أزمات العالم واحدةً تلو الأخرى، بقدر ما حاول أن يضع يده على المشكلة التي تسمح لهذه الأزمات بالاستمرار: قدرة العالم على الاعتياد عليها. فالأزمات تتوالى بسرعة، والصور تتغير كل يوم، لكن المأساة الأخطر تبدأ عندما يتراجع الاهتمام قبل أن تنتهي الأزمة، وعندما يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس مشهدًا مألوفًا اليوم.

من هنا جاءت فكرة الخطاب الأساسية: الانتباه لم يعد مجرد مسألة إعلامية أو إنسانية، بل أصبح موردًا سياسيًا وجيوسياسيًا. فما تحظى به أزمة من اهتمام دولي يحدد، إلى حد كبير، حجم الضغط الدبلوماسي الممارس لإنهائها، وما يتراجع عن جدول الأعمال قد يستمر لسنوات من دون أن يحظى بالاستجابة ذاتها. ولهذا فإن السؤال ليس فقط: ماذا يحدث في العالم؟ بل أيضًا: ماذا نختار أن نرى، وماذا نسمح له بأن يختفي من أمامنا؟

وفي هذا السياق، جاءت غزة في قلب الرسالة. فالملك يستحضر عقودًا من التحذيرات من ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بلا حل، ويرى أن التعامل معه باعتباره أزمة قابلة للاحتواء، بدلًا من كونه قضية سياسية تحتاج إلى حل جذري، سمح بتراكم الوقائع على الأرض. ومع استمرار الحرب والدمار والمعاناة الإنسانية، يصبح الخطر أكبر من مجرد استمرار القتال؛ إنه خطر أن يتحول الاستثناء إلى وضع دائم، وأن تصبح المأساة شيئًا يتعايش معه العالم، بدلًا من أن يعمل على إنهائه.

وهنا تبرز واحدة من أكثر أفكار الخطاب قوة: حين لا تعكس الكلمات فداحة الأفعال، يصبح غير المقبول مألوفًا. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في غياب المصطلحات أو القرارات الدولية، وإنما في الفجوة بين ما يقوله المجتمع الدولي وما يستطيع أو يريد أن يفعله على أرض الواقع. وهذه الفجوة هي التي تجعل القانون الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته.

ويمتد هذا الاختبار، وفق الخطاب، إلى الضفة الغربية. فالاستيطان ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين والتهجير والقيود المفروضة على الفلسطينيين لا يقدمها الملك باعتبارها حوادث منفصلة، بل باعتبارها تطورات مترابطة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ولذلك فإن استخدام اللغة الدقيقة في وصف ما يحدث ليس ترفًا سياسيًا؛ لأن المصطلحات التي نستخدمها تحدد طبيعة المشكلة، وبالتالي نوع الاستجابة المطلوبة لها.

والحجة هنا تتجاوز الموقف من طرف أو آخر إلى سؤال أوسع عن ثبات المعايير الدولية. فإذا كان القانون الدولي قاعدة عامة، فإن قيمته لا ينبغي أن تتغير بتغير المكان أو هوية الأطراف. أما إذا أصبحت القواعد شديدة الصرامة في حالة، ومرنة في حالة أخرى، فإن الثقة بالنظام الدولي تتآكل، ولا يعود الضرر محصورًا في النزاع الذي جرى تجاهله، بل يمتد إلى قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع أزمات أخرى.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم انتقال الخطاب إلى سوريا. فالأردن لا ينظر إلى ما يجري على حدوده الشمالية باعتباره تطورًا بعيدًا عن مصالحه، بل يربطه مباشرة بأمنه الوطني وأمنه المائي. والرسالة الأردنية هنا واضحة: الدبلوماسية خيار أساسي، لكنها لا تعني أن الدول تتخلى عن حماية مصالحها وأمنها عندما تتعرض للخطر.

وفي الوقت نفسه، لم يقدم الملك الأردن بوصفه دولة تنتظر انتهاء أزمات المنطقة كي تبدأ العمل، بل بوصفه دولة تحاول أن تبني المستقبل وهي تعيش وسط منطقة مضطربة. فتعزيز الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا، ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، والاستجابة للأزمات الإنسانية، وحماية الإرث الديني والحضاري، ودعم القضية الفلسطينية، كلها مسارات متوازية وليست ملفات مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الأزمات.

وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي تميز الخطاب: الاستقرار ليس مجرد غياب الحرب، وإنما قدرة الدولة على الاستمرار في بناء المستقبل وسط عدم الاستقرار. فالأردن، بحسب الخطاب، يريد أن يحافظ على دوره الدبلوماسي والإنساني، من دون أن يعني ذلك التخلي عن مصالحه أو السماح بتحويل مواقفه المبدئية إلى نقطة ضعف.

لكن الخطاب لا يضع المسؤولية على الدبلوماسية وحدها. فالملك يؤكد أن القوة العسكرية لا تستطيع أن تكون حلًا لكل شيء. فهي لا تعيد المهجرين إلى بيوتهم، ولا تطعم الجائعين، ولا تبني الثقة بين الدول، ولا تعالج أزمات المناخ والهجرة والتكنولوجيا. فهذه الملفات تحتاج إلى مؤسسات شرعية، واتفاقيات تحظى بالثقة، وقواعد يعرف الجميع أنها ستطبق فعليًا.

وهنا تصل الحجة إلى ذروتها: المشكلة ليست في نقص الأدوات، وإنما في الإرادة لاستخدامها بصورة متسقة. فالخطاب يذكر العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي باعتبارها أدوات استخدمها المجتمع الدولي في أزمات أخرى، ثم يطرح سؤالًا مباشرًا حول سبب بقاء القرارات، في حالات معينة، «حبرًا على ورق».

ولذلك فإن عبارة الملك بأن «التقاعس هو خيار» ليست مجرد جملة قوية للاستهلاك السياسي، بل هي خلاصة للحجة التي بُني عليها الخطاب منذ بدايته. فإذا كان العالم يعرف، ويرى، ويمتلك الأدوات، فإن عدم التحرك لا يمكن تفسيره دائمًا بأنه عجز عن الفعل. وفي المقابل، فإن تحويل هذه الفكرة إلى موقف عملي يتطلب مؤسسات دولية أكثر قدرة على تطبيق القواعد بصورة متسقة، وليس مجرد بيانات جديدة.

في نهاية الخطاب، يعود الملك إلى الفكرة التي بدأ منها: الانتباه. لكن هذه المرة لا باعتباره قدرة ذهنية محدودة، وإنما باعتباره مسؤولية سياسية وأخلاقية. فالأزمات التي تختفي من شاشات العالم لا تختفي بالضرورة من حياة الناس، والحرب التي تتراجع في نشرات الأخبار لا تعني أن آثارها تراجعت على الأرض.

ولهذا تبدو الجملة الأخيرة الأهم في الخطاب أيضًا: «المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضًا». إنها خلاصة تختصر جوهر الرسالة: أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقاس فقط بسرعة استجابته عندما تبلغ الأزمة ذروتها، بل بقدرته على منع تحول الظلم إلى أمر معتاد، والحرب إلى واقع دائم، والقانون إلى مجرد نص لا يملك قوة التنفيذ.

ومن هنا يأتي العنوان: «الملك للعالم.. لا تجعلوا التجاهل سياسة». فالمقصود ليس أن ينتبه العالم إلى أزمة اليوم وينساها غدًا، وإنما أن يتحول الانتباه إلى التزام، والالتزام إلى فعل، والقانون إلى ممارسة؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أزمة ليس فقط أن تستمر، بل أن يعتاد العالم استمرارها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :