facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك يضع العالم أمام مسؤولياته: الأطماع التوسعية تهدد المنطقة


د. عبدالحفيظ العجلوني
23-09-2026 11:43 AM

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مجرد تكرار للمواقف الأردنية المعروفة، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية واضحة، وبلهجة أكثر صراحة في توصيف المخاطر التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والحرب في غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، والأطماع التوسعية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

أكد جلالة الملك في خطابه أن العالم لم يعد يملك ترف الاكتفاء بإدارة الأزمات بدل معالجة جذورها. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل والمماطلة، وما جرى خلال السنوات الماضية من محاولة لاحتواء الصراع بدل إنهائه لم يؤدِّ إلا إلى تعميق المأساة، وتوسيع دائرة العنف، وتكريس واقع أكثر خطورة وتعقيدًا.

ولفت جلالته إلى خطورة ما يجري في غزة، مؤكدًا أن الأمر يتجاوز حدود الحرب إلى محاولة فرض واقع جديد على الأرض. فاستمرار القتل والدمار والتهجير، وما يرافق ذلك من معاناة إنسانية غير مسبوقة، لا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة مؤقتة أو ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن جذور الصراع. القضية، في جوهرها، قضية شعب وحقوق وأرض ومستقبل.

وحذّر جلالة الملك من أن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فصله عما يحدث في غزة. فالاستيطان، ومصادرة الأراضي، والتهجير، وتغيير الحقائق على الأرض، ليست أحداثًا منفصلة، وإنما حلقات في مسار واحد يقوّض فرص السلام ويجعل حل الدولتين أكثر صعوبة، ويدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر والانفجار.

ولم يترك جلالته مجالًا للالتباس عندما تحدث عن الأطماع التوسعية الإسرائيلية وخطرها على المنطقة. فالمشكلة لم تعد محصورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بمستقبل الأمن الإقليمي، وبمدى احترام سيادة الدول وحدودها، وبقدرة المجتمع الدولي على وقف سياسات فرض الأمر الواقع بالقوة.

ولم يغفل جلالة الملك في هذا السياق ما يجري في لبنان وسوريا، باعتبارهما جزءًا من المشهد الإقليمي الذي تدفع شعوبه ثمن استمرار الأزمات والصراعات. فقد أشار إلى أن النزاعات الممتدة، من لبنان إلى اليمن مرورًا بالسودان، تواصل تعميق المعاناة الإنسانية، مؤكدًا أن أزمات المنطقة لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة وحياة الناس في مختلف أنحاء العالم.

أما سوريا، فقد تحدث عنها جلالته بلهجة أكثر مباشرة، واعتبر ما يجري فيها إنذارًا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره الانتباه الكافي. ولفت إلى التوغلات الإسرائيلية المتكررة والتوسع الجغرافي وفرض حقائق جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية، محذرًا من أن استمرار تجاهل هذه التطورات قد يشجع على مزيد من التمادي وتجاوز الحدود والقوانين.

وشدد جلالة الملك على أن الأردن لن ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها شأنًا بعيدًا عنه. فقد أكد بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد لأمن الأردن القومي، وأن المملكة ستحمي أمنها ومياهها ومصالح شعبها. وهي رسالة بالغة الوضوح إلى أن الدبلوماسية الأردنية، رغم تمسكها بالحوار والسلام، لا تعني القبول بتطورات يمكن أن تمس المصالح الحيوية للدولة الأردنية.

وفي هذا السياق، حذّر جلالته من أن التغاضي عن اختبار الحدود والقوانين يشجع على مزيد من التجاوز. فحين يشيح المجتمع الدولي بنظره عن انتهاك جديد، فإن الرسالة التي قد تُفهم هي أن الانتهاك التالي يمكن أن يكون أكبر. ومن هنا جاء الربط الملكي بين ما يحدث في فلسطين وما يجري في سوريا وبين مسؤولية المجتمع الدولي عن منع اتساع دائرة الخطر.

وشدد جلالة الملك على أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تصنع سلامًا دائمًا. فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إلغاء حقوق الشعوب، ولا تستطيع أن تنتزع اعترافًا دائمًا بالظلم، ولا أن تبني استقرارًا حقيقيًا فوق مشاعر القهر واليأس والحرمان.

أما المجتمع الدولي، فقد وضعه جلالته أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل المزيد من التأجيل. فالمشكلة لم تعد في نقص المعلومات عما يجري؛ العالم يرى المأساة، ويعرف حجم المعاناة، ويدرك خطورة استمرار الاحتلال والصراع. المشكلة أصبحت في الإرادة السياسية القادرة على تحويل هذا الإدراك إلى خطوات عملية تنهي الاحتلال وتضع حدًا للانتهاكات وتحمي المدنيين.

ولفت جلالته إلى خطورة ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات الدولية. فالقانون الدولي لا يمكن أن يكون قويًا عندما يتعلق بدولة، وضعيفًا عندما يتعلق بدولة أخرى، والشرعية الدولية تفقد معناها عندما تصبح خاضعة للحسابات السياسية والانتقائية. وحين يشعر جزء من العالم بأن القانون لا يحميه، فإن الثقة بالنظام الدولي كله تصبح موضع شك.

وفي حديثه عن القدس، جدد جلالة الملك التأكيد على أن المدينة ليست مجرد ملف سياسي قابل للمساومة، وإنما قضية ترتبط بالتاريخ والهوية والقانون والوضع القائم في مقدساتها. كما أكد استمرار الأردن في أداء مسؤوليته تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية، والحفاظ على هويتها العربية وعلى وضعها التاريخي والقانوني.

وأكد جلالة الملك أن السلام العادل والشامل لا يمكن أن يتحقق من دون حل القضية الفلسطينية، وأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ليست مجرد صيغة دبلوماسية، بل هي الطريق الذي يقود إلى إنهاء الصراع وفتح صفحة جديدة في المنطقة.

وحذّر جلالته من أن استمرار تجاهل جذور الصراع لن يؤدي إلى إلغائه، بل إلى إنتاج أجيال جديدة من الغضب واليأس والعنف. فالسلام لا يُبنى على تجاهل المظالم، ولا يمكن مطالبة الشعوب بالاستقرار بينما تستمر أسباب عدم الاستقرار أمام أعينها.

وفي رسالة واضحة إلى العالم، أكد جلالته أن الأردن متمسك بالدبلوماسية والحوار والسلام، لكنه في الوقت نفسه متمسك بحماية أمنه الوطني ومصالحه وحدوده ومياهه. فالأردن لم يكن يومًا طرفًا في صناعة الأزمات، لكنه لن يقبل بأن يدفع ثمن أزمات يصنعها الآخرون، أو أن تتحول تداعيات الصراعات الإقليمية إلى تهديد مباشر لأمنه واستقراره.

وهنا تبرز أهمية خطاب جلالة الملك؛ فهو لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يحذر من المستقبل الذي ينتظر المنطقة إذا استمر العالم في إدارة الصراع بدل إنهائه. فكل يوم يمر من دون حل عادل للقضية الفلسطينية يعني مزيدًا من الاستيطان، ومزيدًا من التهجير، ومزيدًا من فقدان الثقة، ومزيدًا من الابتعاد عن السلام.

وأكد جلالته أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الاحتلال أمرًا اعتياديًا، وأن يصبح التهجير مجرد خبر، وأن تتحول معاناة المدنيين إلى أرقام، وأن تصبح قرارات الأمم المتحدة بلا أثر حقيقي على الأرض.

ومن هنا جاءت رسالة جلالة الملك أكثر وضوحًا وحسمًا: لا يمكن بناء شرق أوسط مستقر فوق أنقاض الحقوق الفلسطينية، ولا يمكن تحقيق السلام بالقوة، ولا يمكن فرض الاستقرار بتغيير الحقائق على الأرض.

فالسلام الحقيقي لا يقوم على ميزان القوة وحده، وإنما على العدالة، واحترام القانون الدولي، وحقوق الشعوب، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما أن تبقى مبادئ القانون الدولي والعدالة وحقوق الإنسان شعارات تُرفع في قاعات الأمم المتحدة، أو تتحول إلى التزامات حقيقية تُطبق على الجميع دون انتقائية.

وفي النهاية، فإن الرسالة الأردنية التي حملها خطاب جلالة الملك تتجاوز حدود اللحظة الراهنة. إنها رسالة تحذير من أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق؛ طريق يقود إلى سلام عادل وشامل يقوم على حل الدولتين، وطريق آخر يقود إلى مزيد من الصراعات والتهجير والفوضى وعدم الاستقرار.

والاختيار، في نهاية المطاف، ليس فلسطينيًا أو أردنيًا أو عربيًا وحده؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية النظام الذي أنشأه بنفسه، وعلى إثبات أن العدالة والقانون ليسا امتيازًا تمنحهما القوة لمن تشاء، وإنما حقًا يجب أن يحظى به الجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :