الأردن يرسم خطوطه الحمر ويقول للعالم كفى
سمير حمدان - بودابست
23-09-2026 02:32 PM
أخطر ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة لم يكن أن إسرائيل تجاوزت حدودها، بل إن الأردن بدأ يحدد حدود ما يمكنه تحمله، وهذه نقلة سياسية أكبر مما تبدو، فالملك الذي جعل الاعتدال والدبلوماسية عنوانين ثابتين للسياسة الأردنية استخدم لغة أشد صرامة، إسرائيل أصبحت في توصيفه «دولة بلا قيود»، والنزعة التوسعية لحكومتها «تهديدًا إقليميًا»، ثم وضع معادلة يصعب إساءة فهمها، أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني .
قوة الخطاب لم تأت من تغيير الموقف، بل من تجذره، فالملك يتحدث منذ عقود عن الدولة الفلسطينية ورفض التهجير وحماية القدس والسلام العادل، لكن ما حذر منه بدأ ينتقل من الاحتمال إلى الجغرافيا، وكأن زمن التعامل مع التحذيرات الأردنية كسيناريوهات بعيدة يقترب من نهايته .
بدأ الخطاب من فكرة غير مألوفة، «الانتباه» بوصفه موردًا جيوسياسيًا، وهي مفتاح الرؤية، فالقضايا لا تخسر فقط عندما تُهزم، بل عندما يعتاد العالم عليها، وهذا ما حدث، وفق تشخيص الملك، عندما اختار المجتمع الدولي إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدل حله، حتى أصبح المؤقت دائمًا، والدائم سياسة، وهنا لا تصبح اللامبالاة حيادًا، بل تمنح من يصنع الأمر الواقع أثمن ما يحتاجه، الزمن .
وهذه معادلة تتجاوز غزة إلى هندسة المنطقة، فالمستوطنات والتهجير وتغيير الجغرافيا ليست حوادث منفصلة، وإنما مسار يعيد تشكيل الأرض، وإذا أصبحت الدولة الفلسطينية مستحيلة فلن تختفِ القضية، بل ستبحث تداعياتها عن مكان آخر، وفي مقدمته الأردن، وهنا تقع المفاجأة الأولى، فلسطين التي تبدو ملفًا خارج الحدود أصبحت جزءًا من الأمن الوطني الأردني في الداخل .
ومن هنا يعود فك الارتباط عام ١٩٨٨ كمفارقة استراتيجية، لا لأن الملك دعا إلى مراجعته، فلم يفعل، وإنما لأن القرار كرس استقلال الشخصية السياسية الفلسطينية، وفي القراءة الاستراتيجية يصبح الحفاظ على غايته مرتبطًا بمنع اختفاء إمكانية فلسطين نفسها، فكلما تآكلت الدولة الفلسطينية عاد احتمال البحث عن حل خارج أرضها، ومعه التهجير والوطن البديل، والمفارقة أن حماية الغاية التي قام عليها فك الارتباط قد تتطلب اهتمامًا أردنيًا أعمق بمصير الضفة، لا سياديًا، بل استراتيجيًا .
وسوريا وإيران تكشفان الوجه الآخر للمعادلة نفسها، فما يحدث خارج الأردن لا يبقى بالضرورة خارجه، في سوريا تحدث الملك عن توغلات وتمدد ووقائع تمس موارد مائية حيوية، فانتقلت المياه من ملف تنموي إلى مفهوم السيادة، أما حرب إيران فأظهرت كيف تعبر المواجهة إلى الأجواء والتجارة والطاقة والأمن، وفي الحالتين تصبح الجغرافيا الأردنية نقطة تماس مع قرارات لم تتخذها عمّان، ولذلك لا تبدأ السيادة فقط عند منع جندي من عبور الحدود، بل عند منع الآخرين من تحويل أرض الأردن وسمائه وموارده وقراره إلى امتداد لصراعاتهم .
لكن ماذا يستطيع الأردن أن يفعل، هنا يظهر الردع المتعدد، دفاع يحمي الأرض، ودبلوماسية توسع مساحة الحركة، وعلاقات عربية ودولية ترفع كلفة تجاهل مصالحه، وأمن مائي وطاقي واقتصاد يمتص الصدمات، فالدولة المتوسطة لا تحتاج قوة الدولة الكبرى، لكنها تحتاج إلى جعل تجاوز مصالحها أكثر كلفة من احترامها .
وهنا تأتي المفاجأة السياسية الأشد، الاختبار قد لا يكون مع الخصوم وحدهم، بل داخل منظومة الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وأوروبا، فلا يمكن مطالبة الأردن بأن يبقى ركيزة للاستقرار وشريكًا أمنيًا، بينما تُعامل السياسات التي تهدد أمنه باعتبارها قابلة للاحتواء، فالمفارقة أن يُطلب من عمّان حماية استقرار إقليمي تسمح سياسات بعض حلفائها أنفسهم بتآكله .
ولهذا كان تأكيد الملك أن الدبلوماسية لا ينبغي أن تُفهم ضعفًا أثقل عبارات الخطاب سياسيًا، فالرسالة للخصم ألا يختبر الاعتدال، وللحليف ألا يعتبره التزامًا أردنيًا بلا مقابل .
المفاجأة الأخيرة أن جلالة الملك لم يغير موقف الأردن، بل إن الواقع هو الذي اقترب من التحذيرات التي كررها لعقود، وما كان دفاعًا عن فلسطين أصبح في اللحظة نفسها دفاعًا عن الأردن .
لذلك قال الأردن للعالم كفى، ليس لأن سياسته تغيرت، بل لأن الخريطة بدأت تتغير، ولأن المملكة ترفض أن تصبح المكان الذي تُدفن فيه أخطاء الآخرين.