facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العالم يعرف .. فماذا يفعل؟


د.جلال الشورة
23-09-2026 07:33 PM

حين يضع خطاب الملك عبدالله الثاني مصداقية النظام الدولي أمام الاختبار

لم يذهب الملك عبدالله الثاني إلى منبر الأمم المتحدة ليخبر العالم بما لا يعرفه.

العالم يعرف.

يعرف ما يجري في فلسطين، ويرى كيف تتغير الوقائع على الأرض، ويملك قراراته ومواثيقه ومحاكمه وتقاريره. ولذلك لم تعد المشكلة الحقيقية في نقص المعلومات، ولا حتى في غياب القواعد القانونية.

المشكلة أصبحت أكثر صعوبة:

ماذا يفعل العالم بما يعرف؟

هنا، في تقديري، تكمن الفكرة الأثقل في خطاب الملك أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بتاريخ 22 أيلول 2026.

فالملك بدأ من مفهوم غير مألوف في الخطابات السياسية التقليدية: "الانتباه".

في عالم تتزاحم فيه الحروب والأزمات والكوارث، أصبح الانتباه مورداً سياسياً نادراً؛ تنتقل الكاميرات، وتتغير العناوين، وتتراجع قضية لتحل مكانها أخرى. لكن المأساة لا تتوقف عندما تتوقف عنها الكاميرا، والوقائع على الأرض لا تنتظر أن يستعيد العالم اهتمامه بها.

ومن هنا جاءت واحدة من أكثر أفكار الخطاب دلالة: أن ما يُتعامل معه بداية باعتباره مؤقتاً قد يتحول، بفعل الزمن وتراجع الاهتمام، إلى واقع دائم؛ وأن المجتمع الدولي، بحسب قراءة الملك للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أمضى سنوات طويلة في إدارة الصراع بدلاً من مواجهته وحله.

وهذه ليست مسألة لغوية.

إنها إحدى الطرق التي تُصنع بها الجغرافيا السياسية.

فالظلم لا يحتاج دائماً إلى من يبرره؛ أحياناً يكفيه أن يجد عالماً يعتاد عليه.

حين يتكرر الحدث يفقد قدرته على الصدمة. وحين يطول الاستثناء يبدأ بالتسلل إلى مساحة الطبيعي. ومع مرور الزمن، قد يصبح ما كان يفترض أن يكون موضع اعتراض دولي أمراً واقعاً يجري التفاوض على كيفية التعايش معه.

وهنا يصبح سؤال القانون حاضراً بقوة.

القضية الفلسطينية، في جانبها المتعلق بالاحتلال والاستيطان، لا تعاني فراغاً في المرجعيات القانونية الدولية.

فقرار مجلس الأمن رقم 2334، الصادر في 23 كانون الأول 2016، أكد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس لها شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي، وطالب بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية. وقد اعتمد القرار بأغلبية 14 عضواً وامتناع عضو واحد.

ثم جاءت محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، فأصدرت في 19 تموز 2024 رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وخلصت المحكمة، ضمن ما خلصت إليه، إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتناولت الاستيطان والضم والسيطرة على الأرض والموارد وأثر ذلك في حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

إذن، المسألة التي يثيرها خطاب الملك ليست ببساطة: ماذا يقول القانون؟

فالقانون قال الكثير.

وإنما السؤال الأصعب:

ماذا يحدث بعد أن يتكلم القانون؟

هنا تحديداً يصبح الحديث عن القرارات التي تبقى "حبراً على ورق" أكثر من مجرد تعبير سياسي.

فالملك أشار في خطابه إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات استخدمها في أزمات مختلفة، من العقوبات وتجميد الأصول إلى الحظر والعزل الدبلوماسي، وطرح من خلالها سؤالاً واضحاً عن الفجوة بين القرارات الدولية وبين القدرة أو الإرادة على إنفاذها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

وتلك الفجوة هي التي تجعل القضية أكبر من فلسطين ذاتها.

لأن أي نظام قانوني لا يستمد هيبته من عدد النصوص التي ينتجها، بل من الثقة بأن لهذه النصوص أثراً عندما تُنتهك.

والقانون الذي يعتقد الناس والدول أن تطبيقه يختلف باختلاف الأطراف لا يفقد نصوصه بالضرورة، لكنه يبدأ بفقد "هيبته".

والقرار الذي يبقى محفوظاً في سجلات المؤسسات الدولية، من غير أن يغير سلوكاً أو يرتب أثراً، قد يحتفظ برقمه وتاريخه، لكنه يواجه امتحاناً أصعب يتعلق بقدرته على الردع وبث الثقة.

وهذا هو جوهر القضية.

فالمسألة ليست فقط إنصاف شعب أو إنهاء نزاع، على أهمية ذلك، بل الحفاظ على فكرة أن العلاقات الدولية يمكن أن تُدار بقواعد تتجاوز موازين القوة المجردة.

وفي هذا السياق جاءت أيضاً إحدى أهم رسائل خطاب الملك: رفض تحويل القضية الفلسطينية إلى حرب أديان.

فالخطاب أعاد المسألة إلى إطار الحقوق، وتحدث عن الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين، بالتوازي مع تأكيد استمرار الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في إطار الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم.

وهذا تمييز مهم.

فالقدس لا يمكن فصلها عن مكانتها الروحية والتاريخية، لكن تحويل النزاع السياسي إلى صراع عقائدي مفتوح يجعل أي أفق للحل أكثر صعوبة.

أما حين يوضع النزاع في إطاره السياسي والقانوني، فإن المفردات تصبح قابلة للتحديد: أرض، واحتلال، وسيادة، وحدود، وحقوق، وأمن، وحق في تقرير المصير.

لكن الخطاب لم يتوقف عند فلسطين.

فعندما انتقل الملك إلى الحديث عن جنوب سوريا، تغيرت طبيعة الرسالة بصورة واضحة.

هنا لم يعد الأمر متعلقاً فقط برؤية الأردن لأزمة إقليمية، وإنما بالأمن الوطني الأردني مباشرة.

فالملك تحدث عن التوغلات والتوسع وفرض وقائع جديدة، بما في ذلك حول موارد مائية حيوية، ثم حدد الموقف الأردني بوضوح: أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد لأمنها الوطني، والأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

ثم جاءت العبارة التي ينبغي التوقف عندها ملياً: تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يؤخذ كأمر مسلم به ولا أن يُساء تفسيره باعتباره ضعفاً.

وفي هذه النقطة بالذات يضع الخطاب معادلة أردنية شديدة الوضوح:

السلام خيار دولة، والدبلوماسية أداة دولة، لكن حماية السيادة والحدود والمياه مسؤولية دولة أيضاً.

ولا يوجد تناقض بين هذه العناصر.

بل إن فعالية الدبلوماسية نفسها تستند، في جانب منها، إلى معرفة الأطراف الأخرى بأن للدولة مصالح أساسية وحدوداً لا تتعامل معها باعتبارها موضوعاً مفتوحاً للمساومة.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم تمسك الخطاب بمبدأ السلام.

فالملك لم يطرح خطاباً يقوم على إسقاط الحل السياسي، بل على مساءلة الطريقة التي جرت بها إدارة الصراع سنوات طويلة.

وهذه نقطة جوهرية.

فالخطر ليس في استمرار التفاوض من حيث المبدأ، وإنما في أن يتحول التفاوض إلى عملية زمنية مفتوحة بينما تتغير على الأرض الوقائع التي يفترض أن تكون موضوعاً لذلك التفاوض.

وهنا يظهر سؤال شديد البساطة وشديد التعقيد في آن واحد:

عن أي حل يجري التفاوض إذا كانت شروط إمكان ذلك الحل نفسها تتغير أثناء التفاوض؟

ولهذا لا أقرأ خطاب الملك باعتباره خطاباً عن فلسطين وحدها.

إنه، في أحد مستوياته الأعمق، خطاب عن الثقة في النظام الدولي.

وقد اختتم الملك خطابه بالحديث عن الحاجة إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية، وعن الثقة بين الدول، والثقة بالاتفاقيات، والثقة بأن القواعد ستُنفذ بالفعل، محذراً من أن انهيار هذه الثقة يجعل مواجهة مختلف التحديات العالمية أكثر صعوبة.

وهنا تتحول فلسطين من قضية إقليمية إلى اختبار عالمي.

فالدول الكبرى تستطيع، بدرجات متفاوتة، أن تعتمد على قدراتها العسكرية والاقتصادية وشبكات تحالفاتها.

أما الدول الصغيرة والمتوسطة، فإن جزءاً مهماً من أمنها يقوم على افتراض أن الحدود والاتفاقيات والقواعد الدولية ليست مجرد أوراق مكتوبة، وأن القانون يوفر قدراً من الحماية في عالم لا تتساوى فيه عناصر القوة.

لذلك فإن الانتقائية في تنفيذ القواعد ــ متى شعرت بها الدول ــ لا تقف آثارها عند النزاع الذي ظهرت فيه.

إنها تمتد إلى الثقة بالنظام نفسه.

ومن دون تلك الثقة، يزداد خطر العودة إلى القاعدة الأكثر بدائية في العلاقات الدولية:

أن يفرض الأقوى الواقع، ثم يأتي القانون متأخراً لوصف ما حدث.

وهنا نعود إلى الكلمة التي بدأ منها الملك خطابه: "الانتباه".

فالمسألة ليست فقط أين ينظر العالم، وإنما ماذا يمكن أن يحدث عندما ينظر إلى مكان آخر.

إن أخطر التحولات في التاريخ ليست دائماً تلك التي تقع فجأة أمام أعين الجميع؛ فكثير منها يبدأ بخطوة صغيرة، ثم تتكرر الخطوة، ويتراجع الاعتراض، ويطول الزمن، إلى أن يستيقظ العالم أمام واقع جديد كان يشاهد أجزاءه تتشكل طوال الوقت.

ولهذا فإن السؤال الذي يتركه خطاب الملك أمام المجتمع الدولي يمكن اختصاره في كلمات قليلة:

إذا كان العالم يعرف، والقانون موجود، والقرارات صدرت... فما الذي يمنع أن يكون لها أثر؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي.

ليس لفلسطين وحدها.

ولا للأمم المتحدة وحدها.

بل لفكرة أن هناك نظاماً دولياً ينبغي أن تبقى فيه قوة القانون أقوى من الاعتياد على مخالفته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :