من عمّان إلى نيويورك: الملك يضع الأمن الأردني والقضية الفلسطينية في قلب معادلة النظام الدولي
د. عبدالله حسين العزام
23-09-2026 08:32 PM
في نيويورك، لم يأتِ خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منفصلاً عن مشهد إقليمي يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً؛ حروب مفتوحة، أزمات ممتدة، تحولات في خرائط النفوذ، واختبارات متزايدة لقواعد النظام الدولي. وفي قلب هذا المشهد، وضع الملك الأردن والقضية الفلسطينية ضمن معادلة أوسع تتصل بأمن الإقليم ومستقبل النظام الدولي، مؤكداً أن ما يجري في غزة والضفة الغربية وسوريا لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمات منفصلة، بل باعتباره تطورات مترابطة تؤثر في البيئة الأمنية والسياسية للمنطقة. وتتجاوز أهمية الخطاب مضمونه المباشر إلى الطريقة التي انتقلت بها رسائله إلى المجال الإعلامي والسياسي الدولي، بما جعلها جزءاً من النقاش حول الحرب على غزة، ومستقبل القضية الفلسطينية، والتطورات في سوريا، وأمن الأردن، ودور القانون الدولي.
ومن اللافت أن الملك بدأ خطابه من مفهوم «الانتباه»، وهي زاوية تحمل دلالة سياسية وإعلامية مهمة؛ ففي سياق دولي تتعدد فيه بؤر الصراع، يحدد الانتباه الدولي موقع القضايا على أجندة السياسة الدولية. فاستمرار الاهتمام بالقضية الفلسطينية يمثل عاملاً مؤثراً في إبقائها ضمن دوائر النقاش السياسي والدبلوماسي، بينما قد يؤدي تراجع حضورها إلى ترسيخ وقائع سياسية وميدانية جديدة يصعب تعديلها لاحقاً. ومن «الانتباه» انتقل الخطاب إلى جوهر القضية الفلسطينية، منتقداً الاكتفاء بإدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدلاً من معالجة جذوره وإنتاج مسار سياسي قابل للاستمرار، وهو ما يفتح سؤالاً أوسع حول قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة متسقة ومنع تحول الوقائع الميدانية إلى بديل عن الحلول السياسية.
وفي السياق ذاته، اكتسبت تحذيرات الملك بشأن التطورات في الجنوب السوري دلالة تتجاوز الجغرافيا السورية؛ فالأردن ينظر إلى أمن حدوده الشمالية وأمنه المائي باعتبارهما جزءاً من منظومة الأمن الوطني، في بيئة إقليمية تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع الحسابات الجيوسياسية. ومن منظور العلاقات الدولية، تكشف هذه الرؤية عن ترابط بين دوائر الأمن والسياسة والجغرافيا؛ فالقضية الفلسطينية ترتبط بمستقبل التسوية الإقليمية، والتطورات في سوريا تؤثر في البيئة الأمنية المحيطة بالأردن، بينما يرتبط أمن الحدود والمياه مباشرة بالتحولات التي تشهدها المنطقة.
وهنا تبرز مسألة أكثر اتساعاً: أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحروب والأزمات؟ فالصراعات الراهنة لا تختبر قدرة الدول على إدارة الأزمات فقط، بل تطرح أسئلة تتعلق بمستقبل الدولة، وخرائط النفوذ، وأمن الحدود، ومسارات التسوية السياسية، ومكانة القانون الدولي. والحرب لا تنتهي بالضرورة بانتهاء العمليات العسكرية؛ إذ قد تترك وراءها وقائع سياسية وأمنية وجغرافية تمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، وتؤثر في موازين القوى وفرص التسوية وطبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل لاحقاً.
ومن الزاوية الإعلامية، تبرز أهمية الخطاب في انتقال رسائله من المنصة الدبلوماسية إلى النقاش الدولي؛ فالإعلام لا ينقل الخطاب السياسي فحسب، بل يعيد وضعه ضمن سياقات سياسية وأمنية مختلفة، ويسهم في تحديد القضايا التي تتقدم على الأجندة الدولية. ولذلك، فإن قراءة خطاب نيويورك لا تتوقف عند سؤال: ماذا قال الملك؟ بل تمتد إلى سؤال: ماذا التقط الإعلام الدولي من الخطاب، ولماذا تحولت هذه الرسائل تحديداً إلى جزء من النقاش العالمي حول المنطقة؟ وهنا يصبح الاتصال السياسي جزءاً من عملية أوسع تتشكل من خلالها صورة الصراع وتُحدد أولويات النقاش.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة خطاب نيويورك باعتباره خطاباً يتعامل مع الحاضر من زاوية تداعياته المستقبلية؛ فالسؤال لم يعد مقتصراً على كيفية إدارة الحرب أو احتواء آثارها، وإنما يتعلق بما ستتركه من آثار على خرائط الأمن والنفوذ، وفرص التسوية السياسية، ومستقبل القضية الفلسطينية، وأمن الأردن، وطبيعة النظام الإقليمي بعد الحروب. وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطاب: ليس فقط في ما قيل، وإنما في كيفية انتقاله من منصة سياسية إلى المجال الإعلامي، ومن الإعلام إلى النقاش الدولي، ومنه إلى الأسئلة المتعلقة بمستقبل المنطقة.