خطاب الملك: تحذير من واقع يتشكل بصمت
نادر المناصير
24-09-2026 08:44 AM
ما لفتني في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليس فقط ما قاله عن غزة أو الضفة أو سوريا، بل الطريقة التي وضع فيها هذه الملفات داخل صورة واحدة.
برأيي، الرسالة الأهم كانت أن الأردن لا ينظر إلى ما يحدث حوله باعتباره أزمات منفصلة. غزة ليست ملفاً بعيداً، وسوريا ليست أزمة على الحدود، والمياه ليست قضية تقنية يمكن تأجيلها. كلها، في الحساب الأردني، أجزاء من معادلة واحدة عنوانها: أمن الدولة واستقرار المنطقة.
وهنا أعتقد أن حديث الملك عن سوريا تحديداً لم يكن تفصيلاً عابراً.
فعندما يقول إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، فهو يضع سقفاً واضحاً لما يمكن أن يعتبره الأردن مجرد تطورات إقليمية لا تعنيه مباشرة.
واللافت أيضاً أن الخطاب لم يكتفِ بوصف ما يحدث، بل حاول إعادة تعريف الطريقة التي يجب أن ينظر بها المجتمع الدولي إلى الأحداث.
تغيير اسم المشكلة يغيّر أحياناً طريقة التعامل معها.
ولهذا جاءت عباراته حول الضفة الغربية حادة ومباشرة: ما يوصف بأنه «تسجيل للأراضي» يراه الملك ضماً فعلياً، وما يوصف بأنه «إجراءات أمنية» يراه منظومة قمعية، وما يوصف بأنه «أعمال شغب» يضعه في سياق أوسع من العنف والتهجير.
وهنا، في تقديري، تكمن أهمية الخطاب.
الملك لم يكن يحاول فقط إقناع العالم بأن ما يحدث خطير؛ كان يحاول أن يقول إن اللغة التي نصف بها الأحداث أصبحت جزءاً من المعركة السياسية نفسها.
فإذا أصبحت الكلمات أخف من الواقع، يصبح من السهل التعامل مع الواقع باعتباره أمراً عادياً.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة الأولى في الخطاب: الانتباه.
المشكلة ليست فقط أن العالم قد ينشغل عن أزمة ما، بل أن الأزمة نفسها قد تتغير أثناء انشغال العالم عنها.
وهذا ربما هو أكثر ما يجعل الخطاب لافتاً بالنسبة لي: أنه لا يتحدث فقط عن الأحداث التي نراها اليوم، بل عن شكل المنطقة الذي يمكن أن نجده غداً إذا استمر العالم في التعامل مع كل أزمة باعتبارها أزمة مؤقتة.
في النهاية، ماذا يحدث عندما يصبح تجاهل الخطر سياسة بحد ذاته؟