لا يمكن القول إن العالم تجمعه قوانين ضريبية واحدة، لكن يمكن التأكيد أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها التشريعات الضريبية تتقاطع في معظم الدول؛ فالعدالة والشفافية والوضوح وكفاءة التحصيل والامتثال الضريبي تمثل منطلقات رئيسية في بناء الأنظمة الضريبية الحديثة.
مع اختلاف المعدلات الضريبية وتفاوت الإعفاءات الشخصية والعائلية والحوافز والاستثناءات من دولة إلى أخرى، يبرز تساؤل مهم: هل يمكن الوصول إلى نظام ضريبي عالمي موحد تستطيع من خلاله الشركات والأفراد ممارسة أعمالهم وإدارة التزاماتهم الضريبية دون أن تتأثر بشكل كبير باختلاف التشريعات من دولة إلى أخرى؟
في الولايات المتحدة الأمريكية، الاقتصاد الأضخم في العالم، تتولى مصلحة الإيرادات الداخلية (Internal Revenue Service – IRS) إدارة وتطبيق قوانين الضرائب الفيدرالية، وهي جهاز تابع لوزارة الخزانة الأمريكية. وفي المملكة المتحدة، تقوم هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية (HM Revenue & Customs – HMRC) بإدارة وتحصيل مجموعة واسعة من الضرائب، بما فيها ضريبة الدخل وضريبة الشركات وضريبة القيمة المضافة.
أما في الصين، الدولة الأكثر تصنيعًا وإنتاجًا في العالم، فتتولى الإدارة الوطنية للضرائب (State Taxation Administration – STA) مسؤولية إدارة وتحصيل الضرائب على المستوى الوطني، إلى جانب الإدارات الضريبية المحلية. ويتميز النموذج الصيني بدرجة مرتفعة من التنظيم المركزي والتكامل الرقمي في الإدارة الضريبية.
في الاتحاد الأوروبي، الأمور مختلفة إلى حد ما؛ فالاتحاد الأوروبي يمتلك إطارًا ضريبيًا مشتركًا في بعض المجالات بين دوله، لكنه لا يملك نظامًا ضريبيًا موحدًا بين جميع الدول الأعضاء. ويختلف النموذج بصورة واضحة؛ فالإدارة الضريبية في ألمانيا، على سبيل المثال، موزعة بين الحكومة الاتحادية والولايات، وتضطلع إدارات الولايات بدور رئيسي في تنفيذ القوانين الضريبية وتحديد وتحصيل الضرائب.
في النموذج العربي، تتولى جمهورية مصر العربية، من خلال مصلحة الضرائب المصرية (Egyptian Tax Authority – ETA)، مسؤولية الإدارة والتحصيل الضريبي. وهي الجهة التي نشأت عام 2006 نتيجة دمج مصلحتي الضرائب العامة والضرائب على المبيعات، وتشهد حاليًا توسعًا في أنظمة الفوترة والإيصال الإلكتروني والتحول الرقمي.
أما في الأردن، فتتولى دائرة ضريبة الدخل والمبيعات (Income and Sales Tax Department – ISTD) إدارة ضريبة الدخل وضريبة المبيعات، بعد دمج دائرة ضريبة الدخل ودائرة ضريبة المبيعات في دائرة واحدة عام 2004. كما اتجهت الدائرة في السنوات الأخيرة نحو مزيد من التحول الرقمي وتطوير أنظمة الفوترة والخدمات الإلكترونية، واستطاعت خلال السنوات الخمس الماضية أن تحقق نقلة نوعية في الممارسات العالمية وكفاءة التحصيل.
وهنا يبرز السؤال الأوسع: هل اختلاف الجهات الضريبية يعني بالضرورة اختلاف جوهر النظام الضريبي؟ أم أن العالم يتجه تدريجيًا نحو تقارب في المبادئ والإجراءات، مع بقاء حق كل دولة في تحديد معدلاتها وأولوياتها المالية؟
إن المقارنة بين هذه النماذج تكشف أن الاختلاف لا يكمن فقط في مقدار الضريبة التي يدفعها المكلف، وإنما أيضًا في طريقة إدارة الضريبة، ومستوى الرقمنة، ودرجة المركزية، وآليات التدقيق والتحصيل، وطبيعة العلاقة بين الإدارة الضريبية والمكلف.
ومن هنا، فإن الحديث عن "نظام ضريبي عالمي" قد لا يعني بالضرورة توحيد معدلات الضرائب أو إلغاء القوانين الوطنية، وإنما قد يعني الوصول إلى قواعد ومبادئ دولية مشتركة تجعل التعاملات العابرة للحدود أكثر وضوحًا وعدالة وقابلية للإدارة الضريبية.
فالعالم، رغم اختلاف أنظمته وتشريعاته ومعدلاته الضريبية، يبدو أكثر حاجة إلى تقارب ضريبي عالمي، يقوم على مبادئ مشتركة في الشفافية والعدالة والرقمنة والامتثال وتبادل المعلومات، مع الحفاظ على حق كل دولة في رسم سياستها المالية وتحديد أولوياتها الضريبية. وربما يكون هذا التقارب هو الطريق الأكثر واقعية نحو نظام ضريبي عالمي، لا يقوم على إلغاء الأنظمة الوطنية، وإنما على جعلها أكثر انسجامًا وتكاملًا في عالم أصبحت فيه حركة رؤوس الأموال والشركات والأفراد تتجاوز الحدود بصورة متسارعة.