خطاب الملك .. كيف قرأت إسرائيل الرسالة الأردنية؟
د. عبدالحفيظ العجلوني
24-09-2026 11:58 AM
في مقالة الأمس، ذكرنا أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب أردني تقليدي يعيد التأكيد على ثوابت الموقف الأردني من القضية الفلسطينية؛ فقد حمل رسالة أوسع وأكثر مباشرة، انتقلت من توصيف ما يجري في غزة والضفة الغربية إلى مساءلة السياسة الإسرائيلية في بعدها الإقليمي، وربطت بين التطورات في الأراضي الفلسطينية وما يجري في جنوب سورية، وأمن الأردن وحدوده ومياهه.
وفي هذه المقالة، نتوقف عند ردود الفعل الإسرائيلية على الخطاب، وما يمكن أن تكشفه عن الطريقة التي قرأت بها إسرائيل الرسالة الأردنية، وعن أثرها المحتمل في النقاش داخل إسرائيل وعلى الرأي العام الدولي.
تكشف متابعة الإعلام الإسرائيلي أن خطاب الملك حظي باهتمام واضح، وإن اختلفت زوايا المعالجة. فقد ركزت وسائل إعلام إسرائيلية رئيسية، بينها «يديعوت أحرونوت» و«تايمز أوف إسرائيل» و«جيروزاليم بوست»، على اتهام الملك للسياسة الإسرائيلية بجعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً، وعلى حديثه عن الضم الفعلي للضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين، كما أبرزت عبارته بأن إسرائيل أصبحت «دولة بلا رادع».
لكن اللافت كان الاهتمام بالجزء المتعلق بسورية. فقد التقط الإعلام الإسرائيلي تحذير الملك من أن التطورات في جنوب سورية لا تمثل ملفاً سورياً إسرائيلياً منفصلاً، وإنما ترتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني، وبأمن الحدود والمياه والاستقرار الإقليمي.
وهنا تكمن أهمية الرسالة الأردنية؛ فالأردن ليس دولة بعيدة عن إسرائيل أو عن منظومتها الأمنية، بل هو الدولة التي اختارت السلام والتزمت بمعاهدته انطلاقاً من إيمانها الراسخ بالسلام العادل والشامل على مدى عقود، وله معها حدود ومصالح أمنية ومائية واقتصادية مشتركة. ولذلك فإن انتقال الخطاب الأردني من القضية الفلسطينية وحدها إلى التحذير من تداعيات السياسة الإسرائيلية على الأمن الإقليمي يحمل دلالة تتجاوز الانتقاد السياسي إلى تحذير استراتيجي واضح.
والأكثر أهمية أن بعض التغطيات الإسرائيلية وضعت خطاب الملك ضمن موجة أوسع من الانتقادات الدولية لإسرائيل في الجمعية العامة. وبذلك لم يعد السؤال في إسرائيل مقتصراً على «ماذا يقول الأردن؟»، وإنما أصبح جزءاً من سؤال أوسع حول تزايد الانتقادات الدولية للسياسة الإسرائيلية، ومدى تأثير ذلك على صورة إسرائيل ومكانتها الدولية.
وقد جاء الرد الإسرائيلي الرسمي ليؤكد حساسية الرسالة. فبدلاً من تجاهل الخطاب، دخلت الحكومة الإسرائيلية في سجال مباشر مع بعض ما ورد فيه، في سياق دفاع أوسع عن موقف إسرائيل في الأمم المتحدة ورفض توصيف المواقف الدولية المتزايدة باعتبارها إجماعاً دولياً ضدها.
أما بالنسبة إلى الرأي العام الإسرائيلي، فمن المهم التمييز بين وصول الرسالة وبين تأثيرها. لا توجد، حتى الآن، مؤشرات استطلاعية تسمح بالقول إن خطاب الملك أدى إلى تغيير مباشر في مواقف الإسرائيليين. لكن وصول الخطاب إلى وسائل الإعلام الرئيسية، وخصوصاً تركيزها على التحذير الأردني من سورية والضفة الغربية، يضع أمام الجمهور الإسرائيلي، ولا سيما لدى الأوساط التي تنظر إلى أمن إسرائيل من منظور استراتيجي طويل الأجل، سؤالاً مختلفاً: إلى أي مدى يمكن للسياسات الإسرائيلية أن تستمر من دون أن تتزايد تداعياتها على علاقات إسرائيل مع الأردن والدول العربية والمجتمع الدولي؟
وقد يكون هذا هو الأثر الأهم للخطاب داخل إسرائيل؛ ليس إقناع من يحمل موقفاً سياسياً راسخاً، وإنما دفع النقاش العام إلى التفكير في كلفة السياسة الإسرائيلية على البيئة الإقليمية التي تعيش فيها إسرائيل، وعلى علاقاتها مع دولة عربية تشكل معاهدة السلام معها إحدى ركائز الاستقرار الإقليمي.
أما على الصعيد الدولي، فتبدو الرسالة أكثر اتساعاً. فجلالة الملك لم يقدم القضية باعتبارها مجرد صراع فلسطيني إسرائيلي، بل ربطها بالقانون الدولي وبالأمن الإقليمي وبمستقبل الاستقرار في المنطقة. وعندما يأتي هذا الطرح من الأردن، الدولة التي اختارت السلام مع إسرائيل عام 1994 بقرار سيادي يستند إلى رؤية أردنية راسخة للسلام العادل والشامل، فإنه يمنح الرسالة وزناً سياسياً مختلفاً، ويجعلها موجهة ليس إلى إسرائيل وحدها، وإنما إلى المجتمع الدولي أيضاً.
ومن هنا، فإن أهمية خطاب الملك لا تقاس فقط بردود الفعل المباشرة عليه، ولا بعدد من يؤيدونه أو يعارضونه، وإنما بقدرته على نقل النقاش من سؤال «من يقف مع إسرائيل ومن يقف مع الفلسطينيين؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن استمرار قيام إسرائيل بتغيير الوقائع على الأرض من دون أن يؤدي ذلك إلى زعزعة أمن المنطقة وتقويض أسس السلام والاستقرار فيها؟
لقد جمع الخطاب، في مساحة واحدة، بين غزة والضفة الغربية وسورية والأمن الأردني والقانون الدولي ومستقبل السلام. وهذه ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في منظومة إقليمية واحدة.
ولهذا، فإن ردود الفعل الإسرائيلية على خطاب الملك تكشف أن الرسالة لم تُقرأ في إسرائيل باعتبارها مجرد موقف أردني من الحرب في غزة، وإنما باعتبارها تحذيراً أوسع من التداعيات الإقليمية والدولية للسياسات الإسرائيلية.
وهنا تكمن أهمية الخطاب: فهو لا يخاطب الحكومة الإسرائيلية وحدها، ولا الرأي العام الإسرائيلي وحده، وإنما يضع أمام المجتمع الدولي أيضاً مسؤولية التعامل مع تداعيات ما يجري، ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.
وفي النهاية، لقد وضع جلالة الملك إسرائيل أمام مفترق طرق استراتيجي؛ فإما أن تعيد الاعتبار للعملية السياسية وأسس الأمن الإقليمي، أو تواصل مساراً من شأنه أن يوسّع دائرة التوتر، ويعمّق الفجوة بينها وبين محيطها العربي والمجتمع الدولي.
وهنا ينتقل خطاب الملك من كونه تعبيراً عن الموقف الأردني الراسخ إلى كونه جزءاً مركزياً من النقاش الأوسع حول مستقبل القضية الفلسطينية، والعلاقات العربية الإسرائيلية، ومستقبل السلام والاستقرار في الشرق الأوسط برمته.