رؤية شاملة للأمن القومي: فهم أصول الحكم ضمن المعايير السماوية
مؤيد السامرائي
24-09-2026 01:30 PM
لماذا هذا التقرير؟
يشكل فهم أصول الحكم والقيادة في ضوء المعايير السماوية ضرورة استراتيجية للأمن القومي، لا سيما في ظل الفوضى الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة والعالم. إن القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة لم تترك أمر الحكم والقيادة للاجتهاد البشري المحض، بل وضعت معايير دقيقة وثابتة تضمن العدل والصلاح وعمارة الأرض، وتحذر من الفساد والاستكبار والطغيان.
وهذا التقرير يقدم رؤية شاملة للأمن القومي من منظور سماوي، مستنداً إلى قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كنموذج أصيل لتحقيق الإسلام، وبيان أصول الحكم والقيادة، وتحليل الصراع الأزلي بين فئتين: أهل ملة إبراهيم وأهل التفاخر بالدنيا، وتفنيد محاولات تصدير الفوضى والثورات كأداة للتحكم بمصير الشعوب. وهو جهد معرفي يهدف إلى تقديم إطار استراتيجي للأمن القومي يستند إلى السنن الإلهية الثابتة، ويستفيد من أدوات التحليل المعاصر، في تكامل بين الوحي والتجربة والعقل، وبعيداً عن التحيز أو التقليد الأعمى.
أولاً: الأساس العقدي — تحقيق الإسلام بين التسليم القلبي والتنفيذ العملي
يتحقق الإسلام في أرقى صوره عندما يقترن التسليم القلبي بالتنفيذ العملي. في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، تتجلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات: 103). فـ﴿أَسْلَمَا﴾ تعني استسلام القلب والرضا بأمر الله وتفويض الأمر إليه، و﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ تمثل التنفيذ الفعلي الظاهر حيث يهمّ الأب بذبح ابنه والابن يستسلم ليكون قرباناً لله. فلم يبقَ الأمر نية أو كلاماً، بل صار إسلاماً كاملاً: طاعةً وانقياداً وفعلاً. وعندها قال الله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (الصافات: 105). ويقوم هذا التحقق على أربعة أركان: الثقة الغيبية بالله، والحوار المنطقي الإيماني، والتعاون على تخطي الصعوبات، والتنفيذ الفعلي. ولم يكن الحوار جدالاً لردّ الأمر، بل تشاوراً في تنفيذه؛ قال إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾، وأجاب إسماعيل: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. وهذا يدل على أن الإسلام لا يقوم على التقليد الأعمى، بل على البرهان والحوار وطلب اليقين؛ فقد حاور إبراهيم أباه وقومه بالحجة، وطلب من الله أن يريه إحياء الموتى ليطمئن قلبه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260).
ثانياً: التجربة الشخصية شرط لأخذ الرأي — إسماعيل نموذجاً
إسماعيل عليه السلام لم يُختبر فقط في لحظة الذبح، بل كان اختباره ممتدًّا منذ الطفولة. فقد أُسكن مع أمه في وادٍ غير ذي زرع: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (إبراهيم: 37)، فذاق الجوع والعطش، ورأى تسليم أمه لله وسعيها بين الصفا والمروة، ثم شارك أباه في السعي ورفع قواعد البيت: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة: 127). فلم يكن ابناً مدلَّلاً ولا منعَّماً، بل رجلَ عملٍ وطاعةٍ من صغره. وهذا يرسخ قاعدة أساسية: من يُؤخذ رأيه في حالةٍ ما، ينبغي أن يكون قد عاشها أو عاش معانيها. فإسماعيل لم يُستشر لأنه ابن فقط، بل لأنه عاش المشقة والتسليم منذ الرضاعة، وشارك أباه في السعي والبناء، فكان أهلاً لأن يُستشار في أقسى لحظة.
ثالثاً: التكريم الإلهي لإبراهيم وإسماعيل — بناء البيت والدعوة بالرسول
كرّم الله إبراهيم وإسماعيل بجعل البيت مثابة للناس وأمناً: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: 125)، وباتخاذ مقام إبراهيم مصلى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وبالعهد إليهما بتطهير البيت: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. ومن أبرز مظاهر هذا التكريم دعوتهما الله أن يبعث في ذريتهما رسولاً منهم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129). ولم يطلبا ذلك لأنفسهما فقط، بل للأمة التي ستأتي من بعدهما، وطلبا رسولاً من نفس القوم ليكون أقرب إليهم في التعليم والتزكية، فاستُجيب ذلك بالنبي محمد ﷺ. كما جعل الله إبراهيم من سمّى هذه الأمة بالمسلمين: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾ (الحج: 78)، وذمّ من يرفض ملّته ووصفه بأنه سفيه لنفسه: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: 130). ووصفه بأنه كان أمة قانتاً لله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120)، والأمة هنا بمعنى الإمام المعلّم للخير الذي يأتم به أهل الهدى.
رابعاً: أصول الحكم والقيادة — الخبرة شرط التمكين
الإمامة والقيادة لا تُنال إلا بالتجربة والعمل، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124). فالترتيب الإلهي واضح: ابتلاء وتجربة أولاً، ثم إمامة. فلما طلب إبراهيم أن تكون النبوة في ذريته، أجابه الله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، أي أن عهد الله بالإمامة والنبوة لا يُمنح لمن لا تجربة له ولا أهلية، لأن من تُمنح له المسؤولية بغير تجربة أو عمل فهو ظالم لنفسه، متعدٍّ على حقها، واضعٌ للرسالة في غير موضعها. وهذا يقتضي أن القيادة لا تأتي إلا من الخبرة؛ فالنبي محمد ﷺ كان من سادات قريش، تربى في بيت ذي مكانة ورياسة، وعرف الحكم والسياسة والسؤدد من داخل مجتمع القيادة، حتى لُقّب بالصادق الأمين قبل النبوة، وكان يحكّم في أعظم خلاف بين القبائل وهو في الخامسة والثلاثين. وأما يوسف وموسى عليهما السلام، فقد جاء بهما قدر الله ليربوا في داخل مجتمع القيادة والسلطة؛ فيوسف تربى في بيت العزيز، ودخل السجن ثم خرج ليُولى على خزائن الأرض، فتعلم إدارة الأزمات والتخطيط الاقتصادي من داخل مؤسسة الحكم. وموسى تربى في قصر فرعون، ثم عاش في مدين، ثم عاد ليواجه فرعون ويدير أمة، فجمع بين تربية القصر وخبرة الغربة ومشقة الدعوة. وهذا كله يشير إلى أن التسلسل الإلهي في التمكين يمر عبر اكتساب الخبرة والمعرفة والتربية في بيئة القيادة والمسؤولية، لا عبر القفز على السنن.
خامساً: الثورات الشعبية والتسلسل الإلهي في التمكين
الثورات الشعبية لا تعني بالضرورة أنها متوافقة مع التسلسل الإلهي في كسب الخبرة والمعرفة والتهيئة للحكم؛ فقد يتحرك الناس بحماسة أو غضب أو رغبة في التغيير، لكن التمكين الإلهي لا يقوم على الحماسة وحدها، بل على السنن: التربية، والتجربة، والمعرفة، والأهلية، والعدل، والإصلاح. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير الشامل يحتاج إلى تربية وإعداد وتمكين، لا إلى اندفاع قد يُفرز قيادات بلا خبرة ولا أهلية، فيقع الظلم ويعود الاستبداد بأسماء جديدة. وهذا يفسر قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ فمن تولى بغير تجربة ولا أهلية فقد ظلم نفسه واستحق أن يُعزل عن عهد الله. وهكذا يبقى الميزان الإلهي ثابتاً: الخبرة قبل القيادة، والتجربة قبل التمكين، والأهلية قبل المسؤولية.
سادساً: الصراع الأزلي بين فئتين — أهل ملة إبراهيم وأهل التفاخر بالدنيا
الصراع الحقيقي منذ فجر التاريخ هو بين فئتين لا ثالث لهما. الفئة الأولى: أهل ملة إبراهيم، وهم أهل التوحيد والتسليم والمنطق والدليل والحوار والبرهان، الذين يجعلون مرجعيتهم الوحي، وعقلهم خادماً له، ويسلمون لله وحده، ويرفضون الخضوع لغير الله، ويطلبون اليقين بالدليل لا بالتقليد. والفئة الثانية: من يتبع الحياة الدنيا، وهم الذين جعلوا غايتهم ﴿زِينَةً وَتَفَاخُرًا بَيْنَكُمْ﴾ (الحديد: 20)، و﴿أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ (الكهف: 34)، و﴿تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (التكاثر: 1–2)؛ غايتهم الزيادة والتفاخر والعلو في الأرض. ونقطة الصدام بين الفئتين هي التفاخر والاستكبار؛ فالتفاخر ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو جوهر الكفر والإباء عن أمر الله. وقد جسّد الشيطان هذا المنطق حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12، ص: 76). فرفض السجود لآدم — الذي نفخ الخالق سبحانه فيه من روحه، وجعله محل التكريم الإلهي — لم يكن جهلاً محضاً، بل كان كبراً واستعلاءً بالعنصر والمادة، وتحدياً لأمر الخالق بجهل مطبق سببه التفاخر. وهذا هو نفس منطق من يرفض ملة إبراهيم: يرى نفسه خيراً وأعلى وأغنى وأكثر أولاداً، فيستكبر عن التسليم لله. وهذا الصراع هو الذي واجهه إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه، ومع النمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: 258)، ومع قوم ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ (الروم: 9). وهو نفس الصراع بين آدم وإبليس، وبين موسى وفرعون، وبين محمد ﷺ وأبي جهل وأبي لهب، وبين كل نبي وقومه المستكبرين.
سابعاً: تصدير الفوضى — تهديد للأمن القومي وتحدٍّ للنظام الإلهي
الدول التي تفتعل النزاعات والثورات وتعمل على تصديرها إنما تتحدى ما جاء في القرآن الكريم والكتب السماوية جميعاً؛ لأنها تصدر الفوضى لتتحكم بمصير الشعوب، وهذا هو عين الإفساد في الأرض الذي نهى الله عنه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56)، وقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41)، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: 64)، وقال: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77). وتوعد الله المفسدين بعقوبات شديدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (المائدة: 33)، ووصف المفسدين بأنهم ﴿يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (البقرة: 205). وهذا التحذير ليس خاصاً بالقرآن، بل هو مبدأ جوهري في التوراة التي حذرت من إدخال الخطيئة إلى الأرض: "وَلَا تُدْخِلْ خَطِيَّةً عَلَى الأَرْضِ" (التثنية 24: 4)، ولعنت مثيري الخصام بين الإخوة: "وَمَنْ يُثِيرُ الْخِصَامَ بَيْنَ الإِخْوَةِ" (الأمثال 6: 19). وفي الإنجيل الذي أوصى بالحذر من "الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَ وَالْعَثَرَاتِ" (رومية 16: 17)، وأكد أن "اللهُ لَيْسَ إِلَهُ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلَهُ سَلَامٍ"، وقال المسيح: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (متى 5: 9). وفي مبدأ "لا تُهلك" الذي يمنع التدمير المتعمد ويحرم منطق "الأرض المحروقة". فمن يصدّر الثورات والفوضى إنما يتحدى السنن الإلهية التي تقوم على الإصلاح والتربية والتمكين، لا على التخريب والتفجير والتحكم في مصائر الشعوب.
ثامناً: وحدة الرسالات السماوية — كلها أديان مسلمة
كل الأديان السماوية التي جاءت بعد إبراهيم عليه السلام هي في جوهرها أديان مسلمة؛ أي قائمة على الاستسلام لله وحده، وإن اختلفت الشرائع والمناهج. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136)، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13)، وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48). فمن هذه الأديان المسلمة: ملة إبراهيم الحنيفة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ (آل عمران: 67)، ودين يعقوب وبنيه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132)، ودين يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101)، ودين موسى وهارون والتوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (المائدة: 44)، ودين داود والزبور: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (النساء: 163)، ودين سليمان: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 31)، ودين عيسى والإنجيل: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 52)، ودين محمد ﷺ والقرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3). وهذا الدين الخاتم ليس فكراً جديداً منفصلاً عما سبق، بل هو متمم لما سبق، والرسالات كلها وحدة واحدة في أصلها وجوهرها؛ لذلك أقرّ النبي ﷺ وأتباعه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة: 285).
تاسعاً: الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي — الأسس والتوصيات
بناءً على ما تقدم، تقوم الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي ضمن المعايير السماوية على أسس خمسة. الأساس العقدي: تحقيق الإسلام = تسليم قلبي + تنفيذ عملي، مع الثقة الغيبية بالله والحوار المنطقي وطلب الدليل، ورفض التقليد الأعمى. أساس الحكم والقيادة: الإمامة والقيادة لا تُنال إلا بالتجربة والعمل، والخبرة شرط التمكين: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، مع التربية والإعداد في بيئة المسؤولية، ورفض القفز على السنن الإلهية. أساس الشرعية: الشرعية لا تأتي من الحماسة الشعبية وحدها، بل من العلم والتجربة والأهلية والعدل والإصلاح، والثورات الشعبية ليست بالضرورة متوافقة مع التسلسل الإلهي. أساس الصراع: الصراع الأزلي بين فئتين: أهل ملة إبراهيم وأهل التفاخر بالدنيا، ونقطة الصدام هي التفاخر والاستكبار (منطق إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾)، والميزان: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. أساس مواجهة التهديدات: تصدير الفوضى والثورات = إفساد في الأرض = تحدٍّ للنظام الإلهي، ومواجهة ذلك بالإصلاح والتربية والتمكين والعدل، والتحذير من "الفوضى الخلاقة" التي تفرضها القوى المستكبرة. والتوصيات الاستراتيجية تشمل: ترسيخ الأساس العقدي، وبناء القيادات بالتجربة والخبرة والمعرفة، ومواجهة تصدير الفوضى وكشف مخططات الدول التي تفتعل النزاعات، والتمسك بالسنن الإلهية في التغيير، وتجسيد وحدة الرسالات السماوية، وتحقيق العدل وعمارة الأرض ومحاربة الفساد، والحذر من الاستكبار ورفض منطق ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ والتمسك بمنطق ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
خاتمة: الميزان الإلهي ثابت لا يتغير
إن فهم أصول الحكم ضمن المعايير السماوية ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة استراتيجية للأمن القومي. فالصراع الأزلي بين أهل ملة إبراهيم وأهل التفاخر بالدنيا هو صراع التسليم مقابل الاستكبار، والتوحيد مقابل الطغيان، والإصلاح مقابل الإفساد، والخبرة والأهلية مقابل الفوضى والتحكم. والدول التي تفتعل النزاعات وتصدرها إنما تتحدى ما جاء في القرآن الكريم والكتب السماوية جميعاً، لأنها تصدر الفوضى لتتحكم بمصير الشعوب، وهذا هو عين الإفساد في الأرض. ومواجهة ذلك تكون بالتمسك بالسنن الإلهية: التربية، والتجربة، والأهلية، والعدل، والإصلاح، ورفض القفز على السنن. والميزان الإلهي ثابت لا يتغير: الخبرة قبل القيادة، والتجربة قبل التمكين، والأهلية قبل المسؤولية، و﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128).