facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اقتصاد لا ينتظر عودة المنطقة إلى الهدوء


د. حمد الكساسبة
24-09-2026 01:39 PM

لم يعد من المفيد أن يبني الأردن حساباته الاقتصادية على افتراض أن المنطقة ستعود قريباً إلى هدوء مستقر يسمح لنا بالعمل وفق قواعد سنوات أكثر طبيعية. ما نعيشه منذ سنوات يوحي بالعكس: أزمة تتراجع فتظهر أخرى، ومسار تجاري يتعطل فيرتفع معه النقل والكلفة، وتوتر سياسي ينعكس على السياحة والاستثمار وثقة الأسواق. لذلك أرى أن السؤال الاقتصادي الأهم لم يعد كيف نعبر الأزمة الحالية، بل كيف نبني اقتصاداً يستطيع أن يعمل وينمو ويخلق فرصاً حتى عندما يبقى الإقليم مضطرباً. المطلوب ليس اقتصاد طوارئ، بل اقتصاد يعتبر عدم اليقين جزءاً من البيئة التي يعمل فيها.

هذا المعنى يلتقي مباشرة مع خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2026. فقد أكد جلالته أن الأردن يعرف معنى العيش في منطقة تصل فيها أزمة قبل أن تنحسر سابقتها، وأنه لا يستطيع الاختيار بين الاستجابة للطوارئ وبناء المستقبل، بل يفعل الأمرين معاً. كما أشار إلى تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط، وإلى دور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا. الرسالة الاقتصادية هنا واضحة: الاستقرار الأردني لا ينبغي أن يبقى قيمة نحتمي بها فقط، بل أصل اقتصادي نستخدمه لجذب الأعمال والاستثمار وخدمة أسواق المنطقة.

المشكلة أن سياساتنا، مثل كثير من دول المنطقة، ما تزال تتعامل غالباً مع الصدمة بعد وقوعها. إذا تعطّل طريق تجاري نبحث عن بديل، وإذا ارتفعت كلفة الطاقة نتحرك للتخفيف، وإذا تراجعت السياحة نطلق برامج تنشيط. هذه الاستجابات مطلوبة، لكنها لا تكفي. ما نحتاجه هو نقل المرونة الاقتصادية من رد فعل إلى معيار مسبق في القرار: هل يستطيع المشروع الاستمرار إذا تعطلت الحدود؟ هل لدى القطاع أكثر من سوق ومصدر ومسار؟ وما مقدار الضرر إذا توقف عنصر واحد في سلسلة التوريد؟ هذه الأسئلة يجب أن تسبق الإنفاق لا أن تأتي بعد الأزمة.

الأردن يملك قاعدة يمكن البناء عليها. فالبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029 يضم مشاريع وإجراءات في الاستثمار والصناعة والزراعة والأمن الغذائي والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه والتكنولوجيا وغيرها، وتتابع الحكومة تنفيذه ضمن محركات نمو ومؤشرات ومشاريع محددة. لكن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس إضافة قائمة جديدة إلى القوائم الموجودة، بل إضافة معيار أفقي واحد إليها: هل تجعل هذه السياسة الاقتصاد أقل هشاشة أمام الخارج؟ فقد يكون مشروع ما مجدياً في الظروف الطبيعية، لكنه شديد الاعتماد على سوق واحدة أو مصدر واحد، وهنا يصبح العائد الحقيقي أقل مما يبدو.

أوضح مثال على ذلك التجارة والنقل. الأردن اقتصاد صغير ومفتوح، ولا يستطيع عزل نفسه عن المنطقة، لكنه يستطيع منع طريق واحد أو معبر واحد من التحول إلى نقطة اختناق للاقتصاد كله. المطلوب هو شبكة بدائل لا بديل واحد: العقبة، والربط مع العراق والخليج، والممرات البرية والسككية المستقبلية، والربط باتجاه البحر المتوسط عندما تسمح الظروف، إلى جانب البنية الرقمية. وينطبق المنطق نفسه على الطاقة والغذاء؛ فالأمن الاقتصادي لا يعني أن ننتج كل شيء محلياً، وإنما ألا تتوقف قطاعات أساسية لأن مورداً واحداً أو طريقاً واحداً أصبح غير متاح.

وفي الاستثمار توجد فرصة لا تقل أهمية عن جانب الحماية. فالاضطراب الإقليمي يدفع الشركات إلى البحث عن مواقع تستطيع منها مواصلة أعمالها وخدمة أسواق المنطقة بأقل قدر من الانقطاع. وهنا يستطيع الأردن أن يقدم نفسه كقاعدة تشغيل إقليمية مستقرة لمراكز الخدمات المشتركة، والعمليات المالية والمحاسبية، والتكنولوجيا، والهندسة والتصميم، ومراكز البيانات، وإدارة العمليات الإقليمية. المطلوب أن ننتقل من الحديث عن الاستقرار باعتباره ميزة عامة إلى تحويله إلى منتج استثماري واضح: ماذا يستطيع المستثمر أن يدير من الأردن؟ وما الأسواق التي يصل إليها؟ وما الكفاءات التي يجدها؟

وهذا يقود إلى مسار آخر يجب تسريعه: توسيع الاقتصاد الذي يستطيع التصدير من دون أن تمر كل قيمة مضافة عبر شاحنة أو ميناء. فالبرمجيات والهندسة والمحاسبة والخدمات المالية والتصميم والاستشارات والتعليم والتدريب وأعمال المساندة الرقمية تستطيع الوصول إلى أسواق خارجية حتى عندما ترتفع كلفة الشحن أو تتعطل بعض الطرق. وكلما ارتفعت حصة هذه الأنشطة في الصادرات، تراجعت حساسية الاقتصاد للصدمات الجغرافية، واتسعت أمام الشباب فرص عمل مرتبطة بأسواق أكبر من السوق المحلي. وهذا لا يحل محل الصناعة والزراعة، بل يجعل الاقتصاد أكثر تنوعاً وتوازناً.

لكن المرونة لا تكتمل إذا بقيت الأسرة والمنشأة الصغيرة والمالية العامة تنتظر الأزمة ثم تبدأ معها عملية البحث عن الأدوات. نحتاج إلى آليات جاهزة تُفعّل عند تجاوز مؤشرات محددة حدوداً معينة: تمويل مؤقت للمنشآت القابلة للاستمرار، وحماية اجتماعية أكثر سرعة واستهدافاً، وسيناريوهات داخل الموازنة تحدد مسبقاً ما الذي يجب حمايته وما الذي يمكن تأجيله إذا ارتفعت كلفة الواردات أو انخفضت الإيرادات. الهدف ليس إنشاء صندوق جديد لكل أزمة، بل أن تكون طريقة التحرك معروفة قبل الأزمة، لأن سرعة القرار في بيئة مضطربة أصبحت جزءاً من القوة الاقتصادية للدولة.

الأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته ولا تحديد موعد هدوء المنطقة، لكنه يستطيع أن يقرر مقدار ما تنتقل به اضطراباتها إلى اقتصاده. ولذلك يجب أن يرافق سؤال النمو سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبح اقتصادنا أقل هشاشة؟ إذا تنوعت الأسواق والمصادر، وتعددت طرق التجارة، وزادت صادرات الخدمات، وتحول الاستقرار إلى منصة فعلية للأعمال، وأصبحت المشاريع الكبرى تُختبر تحت سيناريوهات الضغط قبل تنفيذها، نكون قد انتقلنا من إدارة الأزمات إلى بناء قدرة اقتصادية مستدامة. الاقتصاد الذي يحتاجه الأردن ليس اقتصاداً ينتظر عودة المنطقة إلى الهدوء، بل اقتصاداً يعرف كيف يتقدم حتى عندما لا تعود.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :