حين يتحدث الملك… تتحدث القيادة ..
د. صبري محمد الدباس
24-09-2026 08:15 PM
في عالم تتسارع فيه الأحداث ، وتتبدّل فيه المواقف ، وتزدحم فيه المنابر بالأصوات ، تبقى هناك أصواتٌ لا تحتاج إلى أن ترتفع كي تُسمَع ، ولا إلى أن تُبالغ كي تحظى بالاهتمام ، لأنها ببساطة تحمل ثقل القيادة ، وعمق الحكمة ، وصدق الموقف.
ومن نيويورك ، ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ، ليكون الأردن حاضراً بصوته وموقفه ورؤيته في واحدة من أهم المحافل الدولية.
وفي خطابه الأخير ، لم يكن جلالته يلقي كلماتٍ عابرة ، وإنما كان يضع أمام العالم قراءة هادئة وعميقة للحظة تاريخية استثنائية ، ويؤكد أن القيادة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت ، وإنما في وضوح الرؤية وثبات الموقف والقدرة على قراءة المستقبل.
( عندما يتحدث الملك عبدالله الثاني ، يصغي العالم )
ليس لأن وراء كلماته قوة سياسية فحسب ، بل لأن وراءها تاريخاً من الدبلوماسية الهادئة ، ومواقف متراكمة ، وإرثاً هاشمياً جعل من الحكمة والاعتدال والوضوح أدواتٍ للقيادة.
وهذه هي إحدى أبرز سمات القيادة الهاشمية ؛ قيادة لا تبحث عن الصخب ، ولا تستمد حضورها من المبالغة ، وإنما تبني احترامها بالثبات ، وتحافظ على مكانتها بالحكمة ، وتؤكد حضورها بالمواقف.
فالقيادة الناجحة ، كما تؤكدها أدبيات الإدارة والقيادة الحديثة ، تقوم على مجموعة من المرتكزات وهي : الرؤية ، والاتزان ، والقدرة على اتخاذ القرار ، والاتصال الفعال ، وإدارة الأزمات ، واستشراف المستقبل ، وبناء الثقة.
وهذه الصفات لا تُختبر في أوقات الاستقرار ، وإنما تظهر حقيقتها عندما تتعقد المشهدية ، وتتعدد الضغوط ، وتصبح الخيارات أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق ، تبدو القيادة الملكية نموذجاً يستحق التأمل ؛ فالأردن ، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الإقليم ، حافظ على حضوره السياسي والدبلوماسي ، وبقيت رسالته قائمة على الاعتدال ، واحترام القانون الدولي ، والدفاع عن القضايا العربية ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وفي خطابه أمام الأمم المتحدة ، تحدث جلالة الملك عن عالم يعيش لحظة استثنائية ، وعن سرعة التغيير وتراكم الأزمات ، وعن ضرورة أن يوجّه المجتمع الدولي اهتمامه إلى ما هو أكثر أهمية للإنسان ومستقبله.
وهنا تحديداً تظهر قيمة القيادة الاستراتيجية ؛ فالقائد لا يكتفي بوصف الواقع ، وإنما يحاول أن يرى ما وراءه ، وأن يقرأ اتجاهاته ، وأن يضع أمام الآخرين أسئلة المستقبل قبل أن تتحول تحدياته إلى أزمات.
ولعل ما يميز الخطاب الملكي أنه يجمع بين وضوح الموقف وهدوء اللغة ؛ فلا انفصال بين قوة الرسالة ورقي الخطاب ، ولا بين الدفاع عن المصالح الوطنية والالتزام بمبادئ الحوار والسلام