شرط التحكيم الأسري في عقد الزواج
د. محمود أبو رمان
26-09-2026 11:05 AM
* مدخل جديد لحماية الأسرة وتقليل التقاضي؟
ليست كل مشكلة تحتاج إلى قانون جديد، وليست زيادة عدد القضاة دائماً هي الحل الأنجع؛ فأحياناً تكون الحاجة الحقيقية إلى أفكار جديدة في إدارة القضايا لا إلى موارد إضافية لاستيعابها. وفي قضايا الأسرة تحديداً، قد يكون التفكير في تقليل الخصومة قبل التفكير في زيادة القدرة على استيعابها هو الطريق الأجدى لتحقيق عدالة ناجزة وحماية فعلية للأسرة. ومن هنا تأتي فكرة تستحق البحث والنقاش الجاد: لماذا لا نبحث في إمكانية اشتراط التحكيم في عقد الزواج، أو في ملحق خاص موثق به، باعتباره إحدى الوسائل الاتفاقية لإدارة الخلافات الأسرية قبل أن تتحول إلى خصومة قضائية؟
الاشتراط في عقد الزواج: أصل تشريعي قائم لا فكرة مستحدثة
هذه الفكرة ليست غريبة عن التشريع الأردني؛ فقانون الأحوال الشخصية رقم (15) لسنة 2019 أفرد فصلاً مستقلاً بعنوان "الاشتراط في عقد الزواج"، ونصت المادة (37) منه على أنه إذا اشترط أحد الزوجين حين العقد شرطاً نافعاً له، غير مناف لمقاصد الزواج، ولم يلتزم فيه بما هو محظور شرعاً، وسُجّل في وثيقة العقد، وجبت مراعاته: فإذا اشترطت الزوجة شرطاً تتحقق لها به مصلحة مشروعة، كعصمة الطلاق بيدها أو عدم الزواج عليها أو عدم منعها من العمل، كان الشرط صحيحاً وملزماً، وترتب على الإخلال به حق الزوجة في فسخ العقد.
وبالمقابل، إذا اشترط الزوج شرطاً مشروعاً كعدم عمل زوجته خارج البيت، كان ملزماً لها، وترتب على مخالفته فسخ النكاح وسقوط المهر المؤجل ونفقة العدة. أما الشرط الذي ينافي مقاصد العقد أو يخالف محظوراً شرعياً، فيقع باطلاً ويبقى العقد صحيحاً. ثم جاءت المادة (38) لتضبط صياغة الشرط، فاشترطت وضوح عبارته واشتمالها على تصرف محدد يلتزم به المشروط عليه، واستثنت شرط العصمة من ذلك لطبيعته الخاصة كتفويض بالطلاق تستمر صلاحيته بعد مجلس العقد.
إذن، فمبدأ الاشتراط في عقد الزواج ليس فكرة مستحدثة، بل مبدأ تشريعي راسخ له ضوابطه وآثاره القانونية المقررة. ومن هنا يُطرح السؤال: إذا كان يجوز شرعاً وقانوناً الاتفاق على شروط تتعلق بجوهر الحياة الزوجية، فلماذا لا نبحث في شرط يتعلق بطريقة إدارة الخلاف إذا وقع؟
من "شرط في العقد" إلى "حل قبل القضية"
يمكن أن يتفق الزوجان عند عقد الزواج، أو في ملحق موثق له، على أنه إذا نشأ بينهما خلاف في مسألة يجوز الاتفاق على إحالتها إلى التحكيم، فإنهما يبدآن أولاً بمحاولة الإصلاح والوساطة، ثم يلجآن، عند تعذرها، إلى محكّم أو هيئة تحكيم أسرية متخصصة، قد تضم محكّماً شرعياً ومحكّماً قانونياً وخبيراً في الإصلاح الأسري بحسب طبيعة النزاع. والهدف من ذلك ليس إيجاد "قاضٍ بديل"، وإنما إنشاء مسار أسرع وأكثر مرونة لإدارة النزاع، مع بقاء المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها تحت ولاية القضاء المختص حصراً.
ومن أبرز المسائل التي يمكن أن يشملها هذا المسار: الخلاف حول مقدار النفقة وتغير الظروف المتعلقة بها، وهو من أكثر ما يستنزف وقت الأسرة والمحاكم على حد سواء. فلا مانع تشريعياً، حيث يسمح الشرع والقانون، من أن يُتفق مسبقاً على عرض هذا الخلاف على محكّمين متخصصين ينظرون في الدخل والحاجة والالتزامات وظروف الأبناء، ليصدروا قرارهم وفق الضوابط القانونية النافذة. وليست هذه دعوة للتنازل عن الحقوق، بل دعوة لتغيير مسار الوصول إليها.
من كثرة القضايا إلى تقليل أسبابها
اعتدنا، حين نناقش ضغط المحاكم، أن نفكر في زيادة عدد القضاة والموظفين والمباني وساعات العمل، وكل ذلك قد يكون مطلوباً في موضعه. لكن التفكير خارج الصندوق يطرح سؤالاً مغايراً: كيف نُقلّل أصلاً عدد النزاعات التي تصل إلى المحكمة؟ وكيف نحوّل جزءاً من الخصومات إلى مسارات إصلاح ووساطة وتحكيم واتفاق؟ فالقضية التي لا تصل إلى المحكمة ليست مجرد رقم ينخفض في الإحصائية القضائية، بل هي وقت وجهد ومال وخصومة أسرية لم تُستنزف.
وتنسجم هذه الفكرة مع ما سبق أن طرحته من تصور "قاضي الأسرة الواحد" والملف الأسري الموحد؛ فإذا كانت نزاعات الأسرة الواحدة تتشعب بين النفقة والحضانة والمشاهدة والفرقة، فالأصلح أن يُنظر إليها باعتبارها ملفاً واحداً مترابطاً لا قضايا منفصلة. وإذا أضفنا إلى ذلك وسائل الإصلاح والوساطة والتحكيم، نكون قد انتقلنا من إدارة القضايا بعد وقوعها إلى إدارة النزاع الأسري بصورة وقائية متكاملة.
تخفيف الوصول إلى القضاء لا إلغاؤه
سيبقى القضاء الضمانة الأساسية للحقوق، وسيظل اختصاصه قائماً وحصرياً في المسائل التي لا يجيز القانون التحكيم أو الاتفاق بشأنها. غير أن التحكيم الأسري المقترح يمكن أن يكون ذراعاً مساعدة للعدالة لا بديلاً عنها، وهنا تحديداً تبرز أهمية تنظيمه بنص تشريعي واضح يحدد: من يجوز أن يكون محكّماً، والمسائل القابلة للتحكيم، وآلية اختيار المحكّمين وضمانات حيادهم، ومواعيد الفصل وسرية الإجراءات، ورقابة القضاء على ما يصدر عن التحكيم، وآلية تنفيذه.
فالاشتراط في عقد الزواج موجود أصلاً في القانون، والتحكيم في النزاع الزوجي معروف في الشريعة والقانون، والإصلاح والوساطة الأسرية قائمان فعلاً؛ وما تبقى هو صياغة تشريعية تجمع هذه الأدوات الثلاث في منظومة واحدة متكاملة: شرط اتفاقي للتحكيم، يختاره الزوجان بإرادتهما الحرة، ويوثَّق وفق القانون، ويعمل ضمن ضوابط شرعية وقانونية واضحة.
من "عدد القضايا" إلى "أسباب وصولها"
لسنا بحاجة دائماً إلى أن نسأل: كم قضية لدينا؟ بل ينبغي أن نسأل: لماذا وصلت هذه القضايا أصلاً إلى المحكمة؟ وهل كان يمكن حلّ جزء منها قبل أن تتحول إلى خصومة؟
ولا ينبغي أن يكون طموحنا مقتصراً على إنجاز عدد أكبر من القضايا، بل الوصول إلى مرحلة تقلّ فيها الحاجة إلى رفع بعضها من الأساس؛ فنجاح العدالة لا يُقاس بعدد الأحكام الصادرة وحده، بل أيضاً بقدرتها على منع النزاع من التحول إلى خصومة متطاولة، وحماية الأسرة، وصون حقوق أفرادها، وتحقيق العدالة بأسرع الطرق وأكثرها كفاءة.
ولهذا فإن الحل المقترح هنا واضح المعالم: إدخال شرط التحكيم الأسري ضمن الاشتراطات الجائزة في عقد الزواج، وفق نص تشريعي يحدد نطاقه وضوابطه وضماناته، ليكون أحد مسارات الإصلاح الأسري المتاحة قبل التقاضي، لا بديلاً عن القضاء، بل امتداداً وقائياً له. وقد تحتاج هذه الفكرة إلى تعديل تشريعي، وإلى تأصيل فقهي أوسع، وإلى تجربة تطبيقية ودراسة مقارنة قبل اعتمادها بصورتها النهائية، لكنها تستحق أن تُطرح وتُدرس، لأن التفكير خارج الصندوق لا يعني هدم ما هو قائم من منظومة التقاضي، بل البحث عن باب إصلاح جديد داخل المنظومة نفسها.
فحماية الأسرة لا تبدأ حين تُفتح القضية في المحكمة، بل قد تبدأ منذ لحظة كتابة عقد الزواج؛ ونحن حين نحمي الأسرة قبل أن تتحول خلافاتها إلى قضايا، لا نكتفي بتطوير قدرة القضاء على استيعاب الخصومات، بل نصنع حلولاً تمنع جزءاً من هذا الازدحام من الأصل. فربما لا يكون الحل دائماً في زيادة عدد القضاة، بل في تقليل عدد القضايا؛ وهذا، في جوهره، هو معنى أن نفكر خارج الصندوق.