facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الترفيه أسلوب حياة: كيف تتغير قيم المجتمع دون أن يشعر؟


أ. د. هاني الضمور
26-09-2026 11:11 AM

لم تعد التحولات الاجتماعية في عصرنا تحتاج دائمًا إلى خطاب مباشر يقول للناس: غيّروا قيمكم أو تخلوا عن عاداتكم. أحيانًا يحدث التغيير بصورة أكثر هدوءًا؛ من خلال الصورة المتكررة والترفيه والإعلان والمشاهير، حتى يصبح ما كان مستغربًا بالأمس مألوفًا اليوم.

هذه الفكرة تذكّر برواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932. تخيل هكسلي مجتمعًا لا تقوم السيطرة فيه أساسًا على القمع والخوف، وإنما على صناعة الرغبات وإغراق الإنسان في الاستهلاك والمتعة والإلهاء. والمثير أن بعض الأسئلة التي طرحتها الرواية قبل قرابة قرن تبدو اليوم جديرة بالتأمل.

في مجتمع محافظ، قد تُعد بعض صور الرقص والاختلاط والمبالغة في إظهار الجسد والسلوكيات المصاحبة لبعض الحفلات متعارضة مع قيم شريحة من المجتمع. ولو قُدمت هذه الممارسات فجأة باعتبارها قيمًا ينبغي تبنيها، فقد تواجه رفضًا واضحًا. لكن التسويق لا يعمل عادة بهذه الطريقة. يبدأ بتقديم «تجربة»: مهرجان، موسم ترفيهي، فنان مشهور أو ليلة استثنائية، تحيط بها الأضواء والموسيقى والحشود والمشاهير.

هنا لا يُطلب من الإنسان أن يغير قناعته مباشرة؛ المطلوب أولًا أن يرى. ثم يرى مرة أخرى، ثم تصبح الصورة مألوفة. والتعرض المتكرر قد يزيد الألفة ويقلل الإحساس بالغرابة، وإن كانت الألفة لا تعني بالضرورة القبول الأخلاقي.

ثم يأتي «الإثبات الاجتماعي». يرى الإنسان آلاف المشاركين والمشاهير والمؤثرين، وتمتلئ المنصات بمقاطع الحدث. والرسالة الضمنية ليست: «غيّر قيمك»، بل: «هذا ما يفعله الناس الآن». وعندما يعتقد الفرد أن سلوكًا أصبح شائعًا بين أقرانه، قد تتغير نظرته إلى مدى غرابته، حتى لو بقي رافضًا له شخصيًا.

كما أن التسويق الحديث لا يبيع الحفل وحده، بل يربطه بالشباب والصداقة والحرية والمغامرة والموضة والحداثة. ويظهر هنا الخوف من فوات التجربة (FOMO): يرى الإنسان الآخرين يعيشون الحدث فيشعر بأنه يفوّت شيئًا مهمًا. وهكذا لا تصبح التذكرة مجرد دخول إلى حفل، بل بوابة إلى تجربة وانتماء اجتماعي.

وهنا نقترب من فكرة هكسلي: ماذا لو لم يحتج أحد إلى إجبار الإنسان، لأن رغباته نفسها أصبحت تقوده؟ ففي عصر الهاتف الذكي، يتدفق الترفيه بلا توقف، بينما تتعلم أنظمة التوصية ما يجذب انتباه المستخدم وتقدم له المزيد منه. وليس من الضروري افتراض وجود مشروع أخلاقي موحد وراء ذلك؛ فهناك دافع اقتصادي واضح: الانتباه يساوي المال.

المقطع الصادم قد ينتشر أكثر من المحاضرة الهادئة، والفضيحة قد تجذب أكثر من المعرفة، والمشهد المثير قد يعاد نشره حتى ممن يستنكرونه. وهكذا قد تنتشر التفاهة لأن البيئة الرقمية تكافئ من يستحوذ على الانتباه، لا لأن شخصًا واحدًا يدير كل شيء.

لذلك يجب التفريق بين آليات التسويق التي تجعل السلوك أكثر ظهورًا وألفة، وبين الادعاء بأن كل تغير اجتماعي جزء من مخطط عالمي؛ فهذا يحتاج إلى أدلة مستقلة.

وتبقى فكرة هكسلي الأهم: ما كان نادرًا يصبح مرئيًا، وما يتكرر يصبح مألوفًا. لذلك فالسؤال ليس فقط: من أقام الحفل؟ بل: من يصنع رغباتنا؟ وهل اخترنا ما نريده بوعي، أم جعلنا التكرار نخلط بين «الشائع» و«الصحيح»؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :