الشطرنج والذكاء الاستراتيجي للمنظمات
د. جهاد يونس القديمات
26-09-2026 11:38 AM
يتوقف العالم في يوليو في كل عام عند لعبة قديمة لا تحتاج إلى سرعة الجسد، ولا إلى قوة العضلات ولا إلى ضجيج الملاعب، بل تحتاج إلى عقل يستطيع أن يرى ما لا يظهر وأن يتوقع ما لم يحدث وأن يعرف أن الحركة التي تبدو بسيطة في لحظتها قد تغير شكل اللعبة كلها إنه اليوم العالمي للشطرنج، مناسبة لا تذكرنا بلعبة ذهنية عريقة فحسب، بل تفتح الباب أيضا للتأمل في واحدة من أهم القدرات التي تحتاجها المنظمات في عالم سريع التغير.
ربما لا توجد لعبة تختصر فكرة الذكاء الاستراتيجي كما تفعل الشطرنج، فكل لاعب يبدأ بالقطع نفسها تقريبا وعلى الرقعة نفسها، وضمن القواعد نفسها، لكن النتائج تختلف اختلافا كبيرا لأن الفارق الحقيقي لا يكون دائما في الموارد المتاحة بل في القدرة على قراءة البيئة وفهم الموقف وتوقع الخطوة التالية، واستخدام الموارد في الوقت والمكان المناسبين.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الشطرنج باعتبارها أكثر من لعبة، فهي نموذج مصغر للحياة وللمنافسة ولصناعة القرار وللإدارة، فالمنظمة مثل لاعب الشطرنج تتحرك داخل بيئة مليئة بالمتغيرات وتواجه منافسين وتتعامل مع موارد محدودة وتواجه فرصا ومخاطر، ولا تستطيع أن تعرف دائما ما الذي سيحدث في الخطوة التالية، ولذلك فإن الذكاء الاستراتيجي لا يعني أن تعرف كل شيء فهذا أمر مستحيل، بل يعني أن تمتلك القدرة على قراءة ما تستطيع وأن تستعد لما قد يحدث وأن تكون قادرا على تعديل حركتك عندما تتغير المعطيات.
المدير الذي يتعامل مع المنظمة بعقلية رد الفعل يشبه اللاعب الذي لا يفكر إلا بعد أن يرى حركة خصمه، أما المدير الذي يمتلك ذكاء استراتيجيا فيحاول أن يرى الصورة الأوسع، فيسأل قبل اتخاذ القرار: ماذا يمكن أن يحدث وكيف يمكن أن يتصرف المنافس وما الفرص التي يمكن أن تظهر وما المخاطر التي قد تنتج عن هذه الخطوة؟.
إن الإدارة الاستراتيجية لا تعني أن تكون المنظمة قادرة على التنبؤ بالمستقبل بدقة بل أن تكون قادرة على الاستعداد لعدة احتمالات، فاللاعب الجيد لا يعرف بالتأكيد ما هي الحركة التي سيقوم بها خصمه لكنه يحاول أن يقرأ خياراته المحتملة، ويستعد لها، ويضع خطته بناء على أكثر من سيناريو، وهذا ما تحتاجه المنظمات اليوم لأن البيئة الإدارية لم تعد مستقرة بما يكفي لبناء خطة جامدة والاعتقاد بأنها ستبقى صالحة مهما تغيرت الظروف.
لا توجد قطعة تعمل وحدها في لعبة الشطرنج وكل قطعة لها خصائصها وحدودها وقيمتها، واللاعب الذكي لا يحاول استخدام جميع القطع بالطريقة نفسها، فالوزير يتمتع بقدرة واسعة على الحركة والقلعة تتميز بالقوة والثبات والفيل يمتلك رؤية بعيدة عبر الأقطار والحصان يتحرك بطريقة مختلفة عن بقية القطع، أما البيادق التي قد تبدو محدودة في بدايتها، فقد تصل في نهاية الطريق إلى الطرف الآخر من الرقعة وتتحول إلى قطعة ذات قيمة كبيرة، وهذه صورة قريبة جدا من المنظمات، فالموظفون ليسوا نسخا متشابهة ولا يمكن قياس قيمتهم جميعا بالطريقة نفسها، هناك من يمتلك القدرة على القيادة وهناك من يمتلك المعرفة الفنية وهناك من يستطيع بناء العلاقات وهناك من يملك القدرة على حل المشكلات، وهناك من ينجح في الظروف التي يفشل فيها الآخرون، لذلك المنظمة الذكية استراتيجيا لا تسأل فقط: من هو صاحب المنصب الأعلى بل تسأل: من يمتلك المعرفة التي نحتاجها ومن يستطيع أن يضيف قيمة ومن يملك مهارة نادرة ومن يمكنه أن يتحرك عندما تتعقد الظروف؟.
إن القيمة الحقيقية للموارد لا تظهر دائما من حجمها بل من طريقة استخدامها، وقد تكون المنظمة التي تمتلك موارد محدودة أكثر قدرة على المنافسة من منظمة تمتلك موارد أكبر، إذا كانت تعرف كيف تستخدم مواردها بطريقة أفضل.
إن أهم الدروس التي تقدمها لعبة الشطرنج للمنظمات أن الهجوم ليس دائما هو الحل كما أن الدفاع ليس دائما علامة ضعف، ففي بعض الأوقات تحتاج المنظمة إلى التوسع ودخول أسواق جديدة والاستثمار في التكنولوجيا وإطلاق منتجات جديدة، وفي أوقات أخرى تحتاج إلى حماية مواردها وتقليل المخاطر وإعادة ترتيب أولوياتها، والذكاء الاستراتيجي هو القدرة على معرفة الفرق بين الحالتين.
ليس كل تراجع هزيمة وليس كل تقدم انتصارا، قد تتراجع منظمة عن سوق معين لأنها اكتشفت أن الاستثمار فيه غير مجد، وقد توقف مشروعا لأنها اكتشفت أن موارده يمكن أن تحقق نتائج أكبر في مكان آخر، وقد تؤجل توسعا لأنها أدركت أن الوقت لم يحن بعد، مثل هذه القرارات قد تبدو في ظاهرها تراجعا لكنها قد تكون في حقيقتها جزءا من استراتيجية أكثر ذكاء، وتظهر هنا أهمية التوقيت فالقرار الصحيح في الوقت الخطأ قد يتحول إلى قرار خاطئ، وقد تكون الفكرة ممتازة والمنتج قويا والموارد متاحة، لكن السوق غير مستعد أو الموظفون غير مؤهلين أو البنية التحتية غير قادرة على استيعاب التغيير.
إن التوقيت جزء من الذكاء الاستراتيجي، فقراءة اللحظة المناسبة هي جزء من القيادة، وفي لعبة الشطرنج قد ينتظر اللاعب عدة نقلات قبل أن يقوم بحركته، ليس لأنه لا يملك قرارا بل لأنه يعرف أن بعض القرارات تحتاج إلى لحظة مناسبة.
من الدروس المهمة أيضا فكرة التضحية الاستراتيجية، ففي بعض الأحيان يتخلى اللاعب عن قطعة أو فرصة محددة، ليس لأنه لا يعرف قيمتها بل لأنه يرى أن التخلي عنها قد يفتح الطريق أمام نتيجة أكبر، وهذا ما يحدث في المنظمات التي تضطر أحيانا إلى التخلي عن مشروع أو منتج أو سوق أو طريقة عمل من أجل حماية هدف استراتيجي أكبر، لكن هناك فرقا كبيرا بين التضحية الاستراتيجية والخسارة الناتجة عن سوء الإدارة، فالتضحية تكون قرارا واعيا مبنيا على تحليل ورؤية، أما الخسارة فقد تكون نتيجة إهمال أو ضعف في التخطيط أو عدم القدرة على قراءة المخاطر. في الحقيقة تحتاج المنظمات هنا إلى أن تتعلم أن النجاح لا يعني الاحتفاظ بكل شيء فمحاولة الحفاظ على جميع المنتجات والمشاريع، والأسواق، قد تؤدي في النهاية إلى استنزاف المنظمة، أحيانا يكون التخلي عن شيء ما هو الطريق لحماية ما هو أكثر أهمية.
تعلمنا لعبة الشطرنج أن كل حركة تغير شكل الرقعة، فالقرار الذي تتخذه المنظمة اليوم يؤثر في قرارات الغد، والتعيين الذي يتم اليوم قد يؤثر في الثقافة التنظيمية لسنوات، والاستثمار في التكنولوجيا قد يغير طريقة العمل والسياسة الإدارية قد تؤثر في ولاء الموظفين والقرار المتعلق بالعملاء قد يغير سمعة المنظمة في السوق، لهذا فإن القرارات الإدارية لا ينبغي أن تعامل باعتبارها أحداثا منفصلة بل باعتبارها سلسلة مترابطة، القرار الحالي قد يكون بداية لسلسة من النتائج، والنتيجة التي نراها اليوم قد تكون نتيجة قرار اتخذ قبل سنوات.
إن المدير الذي يمتلك الذكاء الاستراتيجي لا يسأل فقط: هل هذا القرار جيد الآن؟، بل يسأل أيضا: ماذا سيحدث بعده وكيف سيؤثر في القرار التالي وما الفرص التي سيفتحها وما المخاطر التي قد ينتجها؟، ومن هنا تأتي أهمية قراءة المنافسين، فاللاعب في الشطرنج لا ينظر فقط إلى القطعة التي تحركت بل يحاول أن يفهم سبب تحريكها وما الذي يمكن أن يحدث بعدها؟، وفي الإدارة لا يكفي أن تعرف ماذا يفعل المنافس بل ينبغي أن تحاول فهم لماذا يفعله وما الذي يسعى إلى تحقيقه، وما قدراته الحقيقية؟.
ان قراءة المنافس لا تعني تقليده، فبعض المنظمات تراقب منافسيها إلى درجة أنها تفقد هويتها، فتقلد المنتجات وتنسخ الخدمات وتكرر الاستراتيجيات، وتنسى أن الذكاء الاستراتيجي لا يعني أن تفعل ما يفعله الآخرون بل أن تفهم السوق بصورة أفضل وأن تعرف أين تستطيع أن تكون مختلف؟.
توجد في لعبة الشطرنج حركة الحصان التي تختلف عن حركة بقية القطع، ولذلك يمكن أن ترمز إلى التفكير غير التقليدي، فالمنظمات التي تواجه تحديات جديدة لا يمكنها دائما استخدام الحلول القديمة نفسها، وفي عالم يتغير بسرعة تحتاج المنظمات إلى موظفين ومديرين قادرين على طرح أسئلة جديدة وتقديم حلول مختلفة والنظر إلى المشكلات من زوايا غير مألوفة، لكن التفكير المختلف لا يعني الفوضى كما أن الإبداع لا يعني غياب النظام، فاللاعب المبدع في الشطرنج يستخدم خياله داخل قواعد واضحة، وهذه هي المعادلة التي تحتاجها المنظمات: حرية في التفكير، وانضباط في التنفيذ.
كما أن لعبة الشطرنج تقدم درسا مهما في القيادة، فالملك هو أهم قطعة في اللعبة، لكنه ليس بالضرورة أقوى القطع أو أكثرها حركة ويحتاج إلى حماية بقية القطع، وهذه الصورة تذكرنا بأن القائد لا ينبغي أن يحاول القيام بكل شيء بنفسه، بل عليه أن يبني فريقا ونظاما قادرين على تحقيق الهدف، فالقائد الذي يعتقد أن المنظمة لا تستطيع العمل بدونه قد يكون قد فشل في بناء منظمة حقيقية، أما القائد الناجح فهو الذي يبني فريقا يستطيع أن يعمل ويتخذ القرار ويتحمل المسؤولية ويستمر حتى في غيابه.
تظهر هنا أهمية العمل الجماعي، فحتى أقوى قطعة في الشطرنج لا تستطيع أن تحقق النصر وحدها، والشيء نفسه ينطبق على المنظمات، إذ لا يمكن للمدير مهما كانت قدراته أن يعوض غياب فريق متكامل، ولا يمكن لقسم واحد أن ينجح إذا كانت بقية الأقسام تعمل ضده، ولا يمكن لاستراتيجية ممتازة أن تحقق نتائجها إذا لم يفهمها الأشخاص المسؤولون عن تنفيذها.
إن النصيحة التي يمكن توجيهها للمنظمات هي ألا تدير أعمالها وكأنها تلعب حركة واحدة فقط، وألا تنظر إلى القرار من خلال نتائجه الحالية وحدها بل أن تحاول دائما أن ترى الحركة التالية وما بعدها وأن تفهم بيئتها وتراقب منافسيها وتستثمر في موظفيها، ولا ينبغي للمنظمات أن تتعامل مع موظفيها باعتبارهم مجرد قطع تتحرك بأوامر الإدارة، بل عليها أن تجعل منهم شركاء حقيقيين
وبكلمات أخرى، فإن المنظمات لا تفوز لأنها تمتلك الموارد فقط ولا لأنها تتخذ قرارات كثيرة بل لأنها تعرف كيف تفكر وتتحرك، وتعيد ترتيب قطعها على رقعة المنافسة، فالإدارة الذكية لا تنظر إلى المنظمة باعتبارها مجموعة من الأوامر والموارد، وإنما باعتبارها منظومة حية من العقول والقدرات والفرص، وكلما استطاعت المنظمة أن توظف هذه العناصر في الوقت والمكان المناسبين، زادت قدرتها على مواجهة التغيير، وصناعة المستقبل، وتحقيق التفوق في لعبة لا تنتهي بحركة واحدة.
jehadhr@gmail.com