facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحرب تعلّمت كيف تعيش، والسلام ما زال يفاوض


سمير حمدان - بودابست
26-09-2026 11:40 AM

نبحث عن السلام في المكان الخطأ، نبحث عنه حيث تُوقَّع الاتفاقيات، بينما تُصنع الحروب في أماكن أخرى، في كتاب مدرسي، وفي نشرة أخبار، وفي سوق عمل مغلقة، وفي ذاكرة عائلة لم تُشفَ، يستطيع الدبلوماسي أن يرسم حدودًا على الخريطة، لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر ما يتعلمه طفل، أو ما يراه شاب على هاتفه قبل النوم .

ولهذا قد تعلن دولتان نهاية الحرب في الصباح، بينما يواصل كل ما حولهما صناعة حرب جديدة في المساء، هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالسلام قد يُوقَّع في غرفة، لكن أسباب الحرب تعيش خارجها، في الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والخوف، والذاكرة .

هذه هي الفكرة التي قدّمتها لويز دايموند وجون ماكدونالد في كتابهما «الدبلوماسية متعددة المسارات»، قالا إن السلام لا تصنعه الحكومات وحدها، بل تسعة مسارات تعمل معًا، الدولة، والخبراء، ورجال الأعمال، والمواطنون، والتعليم، والناشطون، والمؤسسات الدينية، والممولون، والإعلام .

لم تكن قيمة الفكرة في كثرة اللاعبين، بل في حقيقة أكثر إزعاجًا، السلام نظام كامل، والاتفاق جزء صغير منه، وقد يبقى الاتفاق حيًا على الورق، بينما تسير البيئة التي يفترض أن تحميه في الاتجاه المعاكس .

والشرق الأوسط هو الامتحان الأقسى لهذه الفكرة، منذ أوسلو عام ١٩٩٣ تعاقبت القمم والمبعوثون والمبادرات، لكن الواقع لم ينتظر أحدًا، تغيّرت الأرض، واتسعت فجوة القوة، وتآكلت الثقة، وصار الاقتصاد نفسه ساحة من ساحات الصراع .

يقدّر البنك الدولي في تقرير صدر في أيار ٢٠٢٦ أن البطالة في الضفة الغربية بلغت ٢٧٫٥٪ في نهاية ٢٠٢٥، وأن عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل هبط من أكثر من ١٧٧ ألفًا قبل تشرين الأول ٢٠٢٣ إلى نحو خمسين ألفًا، وهذه ليست أرقامًا معيشية فقط، بل جزء من معنى السلام نفسه، فالشاب الذي لا يجد عملًا ولا طريقًا ولا غدًا لن يقرأ بنود أي اتفاق، بل سيقرأ واقعه .

وهنا الحقيقة الصادمة، الاتفاق لا يصنع السلام بالضرورة، قد يتحول إلى جزيرة صغيرة وسط بحر يتحرك ضدها، وقد يصبح بعض الاتفاقات غطاءً مريحًا للعالم، يعلن أن المشكلة دخلت طريق الحل، بينما تبقى أسباب الحرب تعمل في صمت .

والسؤال بعد أي تسوية لا ينبغي أن يكون ماذا وقّع القادة، بل ماذا تغيّر في الحياة التي أنتجت الصراع، هل تغير الاقتصاد، هل تراجع الخوف، هل انخفض التحريض، هل شعر الناس أن لهم مصلحة في بقاء الهدوء، فالاتفاق الذي لا يغيّر البيئة المحيطة به يبقى هشًا مهما بدا قويًا على الورق .

غير أن هذا النموذج وُلد في عالم لم يعد موجودًا، قبل أن يصبح الهاتف نافذة الإنسان الأولى على العالم، وقبل المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، واليوم لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت قوة تؤثر في السياسة والمجتمع معًا .

هي تشكّل جزءًا من الرأي العام الذي يخشاه السياسي، وتؤثر في ما يراه المواطن، وتكافئ الغضب لأنه يجذب الانتباه، وتمنح بعض الخطابات قدرة هائلة على الانتشار، وقد حذّرت الأمم المتحدة من السرعة والحجم غير المسبوقين لانتشار التضليل وخطاب الكراهية .

كانت الدبلوماسية القديمة تعرف من يجلس أمامها، أما اليوم فهناك آلاف الفاعلين القادرين على التأثير في مصير أي اتفاق، من دون أن يجلسوا إلى طاولة، ومن دون أن يوقّعوا وثيقة، ومن دون أن يتحملوا مسؤولية مباشرة عن انهيار ما تم الاتفاق عليه .

وثمة سؤال أشد إزعاجًا، ماذا لو كان للحرب جمهور مستفيد أوسع من جمهور السلام، تجار السلاح، وأمراء الحصار، وسياسيون يعيشون على الخوف، ومنصات تربح من الغضب، السلام الذي لا يفهم هذه المصالح، ولا يملك أدوات لتحييدها، سيجدها في انتظاره عند أول أزمة .

لهذا يجب أن ينتقل السلام من الورقة إلى البنية، مصالح اقتصادية ملموسة منذ اليوم الأول، وتعليم يتوقف عن توريث العداء، ومؤسسات دينية ومدنية تعيد بناء الثقة، وإعلام يواجه التضليل، وتمويل طويل النفس، وجهات مستقلة تقيس التنفيذ، وقواعد تفرض قدرًا أكبر من الشفافية على المنصات .

لكن العقدة الأعمق ليست في قلة المبادرات، بل في عزلتها، نمول عشرات المشروعات المنفصلة، ثم نفترض أن مجموعها سلام، بينما تتحرك أدوات الصراع بطريقة أكثر ترابطًا، وقد ينجح ثمانية مسارات، ثم يهدم مسار واحد ما بناه الجميع .

أدوات الحرب تعمل كشبكة، وأدوات السلام تعمل كجزر، وهذه ربما أكثر مفارقات عصرنا خطورة، لقد وزع هذا القرن القدرة على إشعال الحروب بين الدولة والجماعة والفرد والشاشة، لكنه أبقى صناعة السلام حكرًا على قلة .

لم يعد التحدي توقيع اتفاق جديد، بل بناء واقع تصبح فيه العودة إلى الحرب أصعب من البقاء في السلام، الحرب القادمة قد تبدأ من هاتف شخص لم يدخل يومًا وزارة دفاع، والسلام القادم، إن أراد أن يعيش، عليه أن يصل إلى ذلك الهاتف أولًا .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :