الضمان الاجتماعي .. حقّ الأردني في أن يعرف
كامل الروضان
27-09-2026 08:34 AM
تخيّل أردنياً أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً من عمره في العمل، يدفع اشتراك الضمان شهراً بعد شهر، ثم يكتشف أن القانون الذي سيحدد راتبه عندما تنتهي سنوات خدمته قد تغير، بينما هو لا يعرف بالضبط لماذا تغير، ولا ماذا سيحدث لحقوقه. أليس من حق هذا الإنسان أن يعرف؟
هذه ليست قضية قانونية عابرة، ولا مادة تشريعية يقرأها المختصون ثم تُغلق صفحاتها. إنها قضية راتب سيعيش منه إنسان بعد أن ينتهي عمره في العمل، ولذلك فإن قانون الضمان الاجتماعي يمس تقريباً كل بيت أردني، ويقترب في أهميته من صميم الأمن الاجتماعي والوطني.
المشكلة أن هذا الملف، بعد أن كان حديث الناس لفترة، خفت حضوره بشكل لافت. أين النقاش العام؟ أين البرامج التي تشرح للمواطن ماذا يعني القانون الجديد؟ وأين المختصون الذين يشرحون إيجابياته وسلبياته بلغة يفهمها صاحب راتب التقاعد المتواضع قبل الخبير الاقتصادي؟
نحن نعيش وسط سيل من الإعلانات قبل نشرات الأخبار عن كل شيء تقريباً، فلماذا لا يكون للضمان الاجتماعي مساحة ثابتة تشرح للناس قانوناً يتعلق بمستقبلهم؟ إذا كان القانون في مصلحة الوطن والمشتركين واستدامة المؤسسة، فإن شرحه للمواطن مسؤولية وطنية، وليس مجرد حملة إعلامية.
وهنا أرى أن الذراع الإعلامي لمؤسسة الضمان يتحمل مسؤولية خاصة. الدفاع عن المؤسسة وشرح وجهة نظرها أمر طبيعي ومطلوب، لكن عندما يكون السؤال عن أثر قرار على المواطن، فإن المطلوب ألا تتحول الإجابة إلى دفاع عن القرار لمجرد أنه قرار صادر عن المؤسسة. المواطن يريد أن يعرف: لماذا اتُخذ؟ ماذا سيكلفه؟ وما البدائل التي دُرست؟ وهل كان يمكن الوصول إلى الهدف نفسه من دون تحميله أعباء إضافية؟
الناطق الإعلامي باسم المؤسسة يجب أن يكون قادراً على الدفاع عن قرارها، وفي الوقت نفسه قادراً على نقل مخاوف المشتركين والإجابة عنها بوضوح. فالمؤسسة وجدت أصلاً لخدمة المؤمن عليهم وحماية حقوقهم، ومن بينهم موظفوها ومسؤولوها وناطقوها أنفسهم؛ وكل واحد منهم مواطن سيصل يوماً إلى مرحلة التقاعد.
وهنا تحديداً، على الحكومة أن تضمن أن يصل النقاش إلى الرأي العام، وأن توفر مساحة إعلامية حقيقية لشرح التعديلات ومبرراتها وآثارها. أما مؤسسة الضمان، فعليها أن تضع أمام المشترك الأرقام والمعلومات التي تمكنه من فهم مستقبله: ماذا سيتغير في التقاعد؟ من سيتأثر؟ ولماذا؟
والدراسات الاكتوارية لا ينبغي أن تبقى مصطلحات غامضة. المواطن الذي يتقاضى راتباً تقاعدياً متواضعاً من حقه أن يفهم، ببساطة، ماذا تقول هذه الدراسات عن مستقبل أمواله وحقوقه، تماماً كما يفهمها المسؤول أو الخبير.
ومن حق المواطن كذلك أن يسأل عن العدالة في تطبيق التعديلات، خصوصاً عندما تتغير حقوق أو التزامات ترتبط بسنوات خدمته واشتراكاته. لماذا يُطبق تعديل بأثر معين؟ ومن يتحمل كلفته؟ وما المبرر القانوني والمالي لذلك؟
أما مؤسسة الضمان، فهي بحاجة إلى ترسيخ استقلالية القرار والشفافية، بحيث تبقى أموال المشتركين وحقوقهم فوق أي اعتبار، ويشارك في الرقابة على مسارها أصحاب الاختصاص والكفاءة والثقة.
فالراتب التقاعدي ليس منّة من أحد. إنه حصيلة سنوات من العمل والاقتطاع والتعب والسهر والالتزام.
ولهذا أقول: لا نريد أن يعرف الأردني قانون الضمان بعد أن يمس راتبه؛ نريده أن يعرفه قبل ذلك بسنوات.
فالضمان ليس قانوناً يمرّ… الضمان عمرٌ كامل، ويجب أن يبقى ضماناً لكل أردني.