خطاب تاريخيّ أعاد ترتيب الأولويّات العالميّة
هبة الكايد
27-09-2026 08:38 AM
ينتابني شعورٌ بفخرٍ لم أعشه من قبل، وأنا أحاول صياغة هذه السطور، فقد استُنزفت الحروف وتلاشت المعاني وأنا أعيد سَبكها وحِياكتها، علّها ترتقي إلى مستوى هذا الخطاب التاريخيّ والاستثنائيّ، الذي تجلّت فيه هيبة القائد وعظمة الموقف ودقة الأداء.
فالخطاب الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين لم يكن مجرّد كلمة رسميّة تُلقى في محفل دوليّ، بل كان بيانًا إستراتيجيًّا وصرخة إنسانيّة وضعت العالم أمام مرآة مسؤولياته الأخلاقيّة والسياسيّة، حيث جاء ليعيد ترتيب الأولويّات العالميّة محذّرًا من أنّ تشتيت الانتباه أصبح سلاحًا يُستخدم لتمرير الانتهاكات وفرض سياسة الأمر الواقع.
فكما لاحظنا، لقد استهلّ جلالة الملك الخطاب بمدخل فكريّ عميق ربط فيه بين انتباه الفرد في العصر الرقميّ من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية فقط الآن، وبين التعاطي الدوليّ مع الأزمات، كما أكّد أنّ الانتباه لم يعد مجرّد مسألة معرفيّة، بل هو مورد جيوسياسيّ يحدّد أيّ النزاعات تحظى بالحلول وأيّها يُترك للنسيان، محذّرًا هنا من أنّ إهمال أزمات اليوم هو ما يشكّل المستقبل الكارثيّ للغد، ومن هذا المنطلق التفت جلالته إلى واقع المنطقة الممتد من لبنان إلى اليمن والسودان، ليوضّح أنّ انعدام الاستقرار فيها تنعكس آثاره فورًا على فواتير الطاقة والغذاء للأسر في مختلف بقاع العالم، كما أظهرت حرب إيران.
ثم انتقل جلالته إلى القضيّة المحوريّة وهي غزة، مفكّكًا سياسة احتواء الصراع بدلًا من حلّه، وشدّد على أنّ ما يحدث في غزة من استهداف للمستشفيات وتضييق الخناق على الفلسطينيّين لا يمكن اعتباره تدابير عسكريّة مؤقّتة، بل هو محاولة لمحو الوجود الفلسطينيّ، واقترن ذلك بتحذيره المباشر مما يجري في الضفة الغربيّة، رافضًا المصطلحات المضلِّلة؛ فالهدم والتوسّع الاستيطانيّ ليسا تنفيذًا للقانون بل ترحيل قسريّ، والاستيلاء على الأراضي هو ضمّ فعليّ، ومنظومة الحواجز هي قمع ممتد، وعنف المستوطنين المدعوم بحماية عسكريّة ليس مجرد شغب أفراد، بل هو تهجير قسريّ يمثّل جريمة حرب.
وفي سياق طرحه السياسيّ، دعا الملك العالم إلى التخلّي عن الأوهام، وفي مقدمتها الاعتقاد بأنّ غزة والضفة قصتان منفصلتان، مؤكّدًا أنّهما وجهان لإستراتيجيّة إسرائيليّة واحدة تهدف إلى جعل قيام الدولة الفلسطينيّة أمرًا مستحيلًا عبر التدمير في غزة والضمّ في الضفة، كما فنّد أيضًا الوهم القائل بغياب الشريك العربيّ للسلام، مستذكرًا مبادرة السلام العربيّة عام 2002 التي عرضت السلام والتطبيع من 57 دولة عربيّة وإسلاميّة، لتظلّ العقبة دائمًا هي غياب حكومة إسرائيليّة مستعدّة لقبوله.
ولم يقف التحذير الملكيّ عند حدود فلسطين، بل امتدّ ليدق ناقوس الخطر بشأن التوسّعات والتوغّلات الإسرائيليّة في جنوب سوريا والمساس بالموارد المائيّة، وهنا رسم جلالته خطًّا أحمر جازمًا أعلن فيه أنّ أيّ تهديد للحدود الشماليّة للأردن أو لأمنه المائيّ هو تهديد مباشر للأمن القوميّ الأردنيّ سيتصدّى له الأردن بكل حزم.
واستكمالًا لهذا التماسك الميدانيّ والسياسيّ، بيّن جلالته النموذج الأردنيّ الثابت الذي يجمع بين مواجهة الأزمات وبناء المستقبل؛ من تعزيز الروابط الاقتصاديّة، وحماية المقدّرات الدفاعيّة وضبط الحدود، وحماية الوجود المسيحيّ والدفاع عن الصورة الحقيقيّة للإسلام، والتمسّك بالوصاية الهاشميّة على المقدّسات في القدس، ليؤكّد أنّ تمسّك الأردن بالدبلوماسيّة يستند إلى القيم ولا ينبغي لأحد أن يسيء تقديره أو يعتبره ضعفًا.
ومن جانب آخر، وبعيدًا عن المضمون السياسيّ، تجلّت في الخطاب قراءة أخرى لا تقل أهميّة، وهي قراءة الأداء الخطابيّ الفذّ؛ فقد امتلك جلالته أدوات الخطيب المتمكّن، يرفع صوته حين ينبغي للرسالة أن تُسمع، ويخفضه حين يحتاج المعنى أن يُصغى إليه، ويصمت حين تكون الوقفة أبلغ من الكلام، ويشدّ نبرته حين يبلغ الموقف ذروته، وهذا التناغم العجيب بين النبرة والمعنى هو ما جعل الخطاب يعبر إلى الوجدان قبل العقول، ليعيد التذكير بأنّ الخطابة الحقيقيّة هي معرفة ماذا تقول، وكيف تقول، ومتى تصمت.
نعم، فهذا الأداء المتقن والمضمون الشجاع انعكسا بالأرقام في صدًى رقميّ عالميّ غير مسبوق خلال أول 32 ساعة من إلقاء الخطاب؛ حيث حقّق الخطاب 1.2 مليار ظهور عبر مختلف المنصّات الرقميّة العالميّة، ووصل فعليًّا إلى 744 مليون شخص، وسجّلت مقاطع الفيديو المرتبطة به 410 ملايين مشاهدة، إلى جانب 120 مليون تفاعل، وبنسبة تأييد وتفاعل إيجابيّ بلغت 86%، مما يشير إلى أنّ الصوت الأردنيّ نجح في اختراق تشتّت الانتباه العالميّ وفرض حساسيّة القضيّة على المشهد الدوليّ.
وبالتأكيد، إنّ هذا الخطاب التاريخيّ يضعنا جميعًا أمام واجب وطنيّ لاستقبال جلالة الملك استقبالًا يليق بقائدٍ أثبت للعالم أجمع أنّ المملكة الأردنيّة الهاشميّة رقم صعب لا يقبل المساومة، ونؤكّد للعالم من جديد أنّنا خلف أبي الحسين، به ومعه ماضون لحماية الوطن وصون مقدّراته ودعم الحق العربيّ.