الملك عبدالله .. من جغرافيا الأردن إلى فضاء التأثير العالمي
الدكتور علي فواز العدوان
27-09-2026 09:00 AM
قوة الدول لم تعد تُقاس فقط بمساحة أراضيها، ولا بعدد سكانها، ولا بحجم اقتصادها أو ترسانتها العسكرية. في عالم تتراجع فيه الحدود أمام التدفق الهائل للمعلومات، أصبحت هناك قوة أخرى لا تقل أهمية عن القوة التقليدية: قوة التأثير.
وفي هذا التحول، يبرز الأردن بوصفه حالة تستحق التوقف عندها؛ دولة محدودة الموارد والإمكانات مقارنة بالقوى الكبرى، لكنها استطاعت في مراحل متعاقبة أن تجعل من صوتها السياسي والدبلوماسي حاضراً في الملفات الأكثر حساسية في الإقليم والعالم.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الملك عبدالله الثاني.
فخطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين لم يكن مجرد خطاب لرئيس دولة أمام أكبر منبر دولي، بل تحول ــ وفق أرقام تحليل الرأي العام الرقمي المنشورة ــ إلى حدث اتصالي واسع النطاق، مع نحو 120 مليون تفاعل مباشر، و1.2 مليار انطباع رقمي، ووصول تقديري إلى 744 مليون شخص، ونحو 410 ملايين مشاهدة لمقاطع الفيديو المرتبطة بالخطاب خلال أول 32 ساعة.
فالأرقام، بحد ذاتها، لا تصنع زعيماً عالمياً، لكنها تكشف عن شيء أكثر أهمية: قدرة الرسالة السياسية على مغادرة حدود الدولة التي صدرت عنها والوصول إلى جمهور عالمي متعدد اللغات والثقافات والمواقف.
إنها لحظة انتقال من جغرافيا الدولة إلى جغرافيا التأثير.
الأردن ليس قوة عظمى، ولا يسعى إلى تقديم نفسه كذلك. لكنه يمتلك موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية، ويمتلك في المقابل دبلوماسية تراكمت خبرتها عبر عقود، ورؤية سياسية تحاول أن تضع المصالح الأردنية في سياق إقليمي ودولي أوسع.
وهنا تتجسد إحدى أبرز سمات السياسة الأردنية: التأثير دون امتلاك أدوات الهيمنة.
فالملك عبدالله الثاني لا يتحدث من موقع دولة تفرض إرادتها على الآخرين، وإنما من موقع دولة تحاول التأثير في مسار الأحداث عبر الدبلوماسية، والتحالفات، والمصداقية السياسية، والقوة الناعمة، والقدرة على صياغة الرسائل في اللحظة المناسبة.
وفي عالم أصبحت فيه المعركة على السردية لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، تصبح قدرة قائد سياسي على جذب الانتباه العالمي جزءاً من القوة الوطنية.
واللافت في أرقام الخطاب أن التفاعل لم يكن مجرد مشاهدة عابرة؛ فقد أشارت البيانات المنشورة إلى حجم كبير من المشاركات والتعليقات والتفاعلات، وإلى انتشار واسع لمضامين سياسية محددة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحل الدولتين، ورفض فصل غزة عن الضفة الغربية، والقدس، والتحذير من تداعيات الأزمات الإقليمية.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين:
الشهرة شيء، والتأثير شيء آخر.
قد يكون شخص ما مشهوراً لأنه حاضر باستمرار في وسائل الإعلام، لكن التأثير السياسي يبدأ عندما تصبح أفكاره ومواقفه جزءاً من النقاش العام، وعندما تنتقل رسالته من دائرة المتابعين إلى دوائر الإعلام والسياسة والدبلوماسية ومراكز التفكير.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح تجربة الملك عبدالله الثاني جديرة بالدراسة.
فالرسالة الأردنية لا تعتمد فقط على قوة الصورة، وإنما على تراكم الموقف.
قضية فلسطين ليست موقفاً طارئاً في الخطاب الأردني، والقدس ليست عنواناً موسمياً، وحماية المصالح الوطنية الأردنية ليست ردة فعل على أزمة بعينها. إنها عناصر متكررة في السياسة الأردنية، وهو ما يمنح الخطاب الملكي سياقاً أوسع من اللحظة الإعلامية.
وهذا ما يمكن أن نسميه:
«رأس المال السياسي للثقة»
فحين يتحدث قائد في أزمة دولية، فإن الجمهور لا يستمع فقط إلى الكلمات؛ بل يضعها في سياق مواقفه السابقة.
وكلما اتسق الخطاب مع الممارسة السياسية، ازدادت قدرة الرسالة على اكتساب المصداقية.
من هنا يمكن فهم انتقال الخطاب الملكي من المنصة الأممية إلى المنصات الرقمية.
الأمم المتحدة تمنح الخطاب المنبر، لكن العالم الرقمي يمنحه الامتداد.
وهذه النقلة تغير قواعد الاتصال السياسي.
في الماضي كان خطاب القائد ينتهي تقريباً بانتهاء البث التلفزيوني. أما اليوم، فإن الجملة الواحدة يمكن أن تتحول إلى مقطع فيديو، ومنشور، واقتباس، ووسم، وتحليل، ونقاش، ثم تعود إلى وسائل الإعلام التقليدية بعد أن تكون قد قطعت آلاف الكيلومترات الرقمية.
وهكذا يصبح القائد قادراً على مخاطبة الجمهور الدولي بصورة مباشرة أو شبه مباشرة، دون أن تمر الرسالة بالضرورة عبر البوابات الإعلامية التقليدية.
وهنا تكمن أهمية الرقم 1.2 مليار انطباع يعني أن المحتوى ظهر أو سُجل له حضور بهذا الحجم ضمن منظومة القياس المستخدمة.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول الأرقام إلى دعاية بدلاً من أن تكون أداة تحليل.
لكن حتى مع هذا التحفظ المنهجي، فإن اتساع الانتشار الرقمي يطرح سؤالاً أكبر:
هل نحن أمام تحول في مكانة الخطاب الأردني من خطاب إقليمي إلى خطاب ذي امتداد عالمي؟
الإجابة على هذا السؤال لا ينبغي أن تعتمد على رقم واحد.
إنها تحتاج إلى قياس مستمر لعدة مؤشرات: الانتشار الجغرافي، ونوعية الجمهور، واستمرارية التفاعل، وتغطية وسائل الإعلام الدولية، وإعادة تداول الرسائل من قبل صناع القرار، وحضور مضامين الخطاب في مراكز الدراسات والأبحاث، ومدى قدرة الرسائل الأردنية على التأثير في صياغة النقاش الدولي.
فإذا تكررت هذه المؤشرات عبر خطابات ومناسبات متعددة، يمكن عندها الحديث بصورة أكثر علمية عن نفوذ أردني عابر للحدود.
وهنا تحديداً تبرز خصوصية الملك عبدالله الثاني.
فالقوة الناعمة الأردنية لا تأتي من الحجم، وإنما من الموقع، والتاريخ، والشرعية الدبلوماسية، والقدرة على التواصل، وتراكم الخبرة السياسية، وثبات الرسائل الأساسية.
إنها معادلة مختلفة عن معادلة القوى الكبرى.
القوى الكبرى تستطيع أحياناً أن تجعل العالم يستمع إليها لأنها قوية.
أما الدول المتوسطة والصغيرة فعليها أن تجعل العالم يستمع إليها لأنها مقنعة، أو ضرورية، أو حاضرة في المكان الذي تتقاطع فيه مصالح الآخرين.
والأردن يجمع قدراً مهماً من هذه العناصر.
لذلك فإن العبارة الأكثر دقة ليست أن الملك عبدالله الثاني «أصبح شخصية خارقة» نتيجة أرقام التفاعل الرقمي، وإنما أن هذه الأرقام ــ يمكن أن تكون أحد المؤشرات على تحول الحضور الملكي من حضور دبلوماسي تقليدي إلى نفوذ اتصالي وسياسي عابر للحدود.