ما بعد رخص الأبنية .. متى يتحول العقار إلى قيمة اقتصادية؟
د. حمد الكساسبة
27-09-2026 01:23 PM
أثار الكاتب الاقتصادي سلامة الدرعاوي، في مقاله قراءة اقتصادية في رخص الأبنية المنشور في صحيفة الغد بتاريخ ٢٦ أيلول ٢٠٢٦، سؤالاً مهماً حول معنى ارتفاع المساحات المرخصة. فهل يدل هذا الارتفاع على بناء جديد، أم أن جزءاً منه يتعلق بترخيص أبنية قائمة؟ ويقودنا هذا السؤال إلى نقطة أوسع: متى تتحول الرخصة من معاملة رسمية إلى عقار مستخدم يضيف إلى الإنتاج ويوفر فرص عمل؟
تظهر البيانات أن إجمالي المساحات المرخصة ارتفع خلال الأشهر السبعة الأولى من عام ٢٠٢٦ بنسبة ٤٫٧٪، ليصل إلى ٥٫٨٤ مليون متر مربع. لكن مساحات الأبنية الجديدة والإضافات انخفضت ٢٫٩٪، بينما شكلت الأبنية القائمة ٤١٫٦٪ من الإجمالي. لذلك، لا يعني ارتفاع الرقم العام بالضرورة أن نشاط البناء توسع بالمقدار نفسه، لأن جزءاً كبيراً من الرخص يخص أبنية موجودة أصلاً.
التمييز بين البناء الجديد والأبنية القائمة ضروري، لكنه لا يكفي لمعرفة الأثر الاقتصادي. فالحصول على رخصة لا يعني أن التنفيذ بدأ، وبدء البناء لا يضمن اكتماله، كما أن اكتمال العقار لا يعني أنه أصبح مستخدماً. وقد يتوقف المشروع بسبب نقص التمويل أو ضعف الطلب أو ارتفاع الكلفة. لذلك، تظهر القيمة الحقيقية عندما يصبح العقار مسكناً مأهولاً، أو مصنعاً منتجاً، أو متجراً عاملاً، أو مكتباً يقدم خدمة ويوفر وظيفة.
وتزداد أهمية هذه الفكرة مع ارتفاع المساحات السكنية ١٠٫٧٪، ووصول حصتها إلى ٨١٫٦٪ من الإجمالي، في مقابل انخفاض المساحات غير السكنية ١٥٫٧٪. وقد يعكس ارتفاع المساحات السكنية طلباً مستقبلياً أو تصويباً لأوضاع أبنية قائمة، لكنه لا يثبت وحده قوة السوق.
فالطلب يحتاج إلى دخل وتمويل مناسبين. أما تراجع المساحات غير السكنية فيستحق المتابعة، لأنها ترتبط بصورة أوضح بتوسع الشركات وزيادة القدرة الإنتاجية.
لهذا يمكن تطوير مؤشر بسيط يسمى مؤشر تفعيل الأصول العقارية. ولا يكتفي هذا المؤشر بعد الرخص، بل يتابع ما حدث بعدها. فيقيس نسبة المشروعات التي بدأت، ونسبة ما اكتمل منها في الوقت المتوقع، ونسبة العقارات التي دخلت الاستخدام الفعلي. كما يرصد الوظائف التي وفرتها، والتمويل الذي حصلت عليه، وتوزيعها بين المحافظات، وعدد العقارات التجارية والصناعية التي بدأت العمل بعد اكتمالها. وبذلك يرتبط تقييم القطاع بما وصل إلى مرحلة العمل والإنتاج، لا بما صدر من رخص وما سُجل من مساحات فقط.
ولا يعني ذلك أن ترخيص الأبنية القائمة بلا فائدة اقتصادية. فقد يساعد الترخيص على بيع العقار أو رهنه أو تغيير استخدامه أو توصيل الخدمات إليه. وقد يحول عقاراً يصعب التصرف فيه إلى أصل قابل للبيع أو التمويل أو الاستخدام. لكن معرفة الأثر تتطلب متابعة ما حدث لاحقاً. هل انتقلت الملكية؟ هل حصل المالك على تمويل؟ هل استُخدم العقار فعلياً؟ أم بقي مغلقاً من دون مساهمة اقتصادية؟
يمكن بناء هذا المؤشر من خلال ربط بيانات البلديات وأمانة عمّان ودائرة الأراضي والمساحة والبنوك والضمان الاجتماعي ودائرة الإحصاءات العامة. فكل جهة تملك جزءاً من الصورة. الرخصة توضح السماح بالبناء أو الاستخدام، والتمويل يوضح القدرة على التنفيذ، وبيانات البناء توضح التقدم، والإشغال يوضح الاستخدام الفعلي، بينما تكشف الوظائف والقيمة المضافة النتيجة الاقتصادية. والمطلوب هو جمع هذه الأجزاء في صورة واحدة واضحة. ويساعد هذا الربط أيضاً على كشف المشروعات المتعثرة مبكراً، ومعرفة المناطق التي تحتاج إلى تمويل أو خدمات أو بنية تحتية إضافية.
عندها لا يعود السؤال مقتصراً على عدد الأمتار التي جرى ترخيصها، بل يمتد إلى عدد الأمتار التي أصبحت مستخدمة، وعدد الوظائف التي وفرتها، والدخل والقيمة التي أضافتها. وبهذه الطريقة يستطيع صانع القرار التمييز بين زيادة المعاملات الإدارية والتوسع الاقتصادي الحقيقي، وتوجيه التمويل والخدمات إلى المشروعات الأكثر فائدة. ويستحق الكاتب الاقتصادي سلامة الدرعاوي الشكر على إثارة هذا الموضوع؛ فالاقتصاد لا ينمو بما يُرخص له فقط، بل بما يُنفذ ويُستخدم وينتج.