facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الواقع


لانا ارناؤوط
28-09-2026 09:13 AM

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الإنسان على إنجاز عمله بسرعة، بل بدأ يدخل إلى مساحة أكثر حساسية: مساحة التعبير عن الإنسان نفسه واليوم، يكفي أن نكتب بضعة أسطر لنحصل على فيديو كامل، بأشخاص لا وجود لهم، وأماكن قد لا تكون موجودة، ومشاهد مصممة بعناية لتبدو أكثر جمالاً وإقناعاً من الواقع.

المشكلة ليست في قدرة الذكاء الاصطناعي على صناعة الفيديو، وإنما في السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نضغط زر "إنشاء": لماذا نحتاج إلى هذا الفيديو أصلاً؟

فإذا كانت القضية حقيقية، فلماذا لا نذهب إلى الواقع؟ لماذا لا نصور الإنسان الحقيقي، والمكان الحقيقي، واللحظة الحقيقية؟ لماذا نستبدل شهادة شخص عاش الأزمة بصورة لشخص افتراضي لم يعش شيئاً؟ ولماذا نستبدل صورة المكان المتضرر بمشهد مصمم يبدو أكثر ترتيباً وتأثيراً؟

هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة لتوفير الوقت والجهد إلى وسيلة لإلغاء الجهد نفسه.

لقد أصبح من السهل أن ينتج أي شخص فيديو مؤثراً عن الفقر، أو التعليم، أو الأزمات، أو الأطفال، أو المرض، أو الحروب، دون أن يغادر مكتبه لكن السؤال ليس: هل الفيديو مقنع؟ بل: هل أضاف شيئاً إلى القضية؟

فالواقع ليس مثالياً كما تصوره لنا الخوارزميات الطفل الحقيقي لا يبتسم دائماً في اللحظة المناسبة، والمكان الحقيقي ليس مضاءً بطريقة سينمائية، والإنسان الذي يعيش أزمة لا يتحدث دائماً بجمل مرتبة ومؤثرة في الواقع هناك ارتباك، وصمت، وأخطاء، ودموع، وتفاصيل صغيرة لا يمكن لسيناريو مصطنع أن يلتقط معناها كاملاً.

وهنا تكمن المفارقة ، نحن نستخدم التكنولوجيا التي صُنعت لتقريبنا من المعلومات، لنصنع بها واقعاً بديلاً يبعدنا عن الواقع نصنع صورة أكثر جمالاً من الحقيقة، ثم نعتاد عليها حتى تبدو الحقيقة نفسها ناقصة.

الأخطر أن هذا النمط قد يصنع لدى الجمهور معياراً جديداً للمثالية صورة الطفل المثالي، الأسرة المثالية، المدينة المثالية، الموظف المثالي، وحتى الأزمة المثالية كل شيء مرتب، والإضاءة مثالية، والحركة مثالية، والموسيقى في مكانها، والنهاية مؤثرة ثم يعود الإنسان إلى حياته الحقيقية، فيكتشف أن حياته لا تشبه شيئاً مما يراه.

وهنا لا تعود المشكلة تقنية، بل إنسانية لأن الإنسان قد يبدأ بمقارنة حياته الواقعية بواقع لم يوجد أصلاً.

لا أحد يعترض على استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفكار، أو المحاكاة، أو التعليم، أو شرح سيناريوهات مستقبلية، أو إعادة بناء أحداث تاريخية عندما لا تتوفر صورها، أو إنتاج محتوى إبداعي واضح بأنه اصطناعي هذه استخدامات يمكن أن تضيف قيمة حقيقية لكن عندما يتعلق الأمر بقضية إنسانية حقيقية، يصبح السؤال مختلفاً: هل نريد أن نُظهر الحقيقة، أم أن نصنع نسخة أكثر تأثيراً منها؟

هناك فرق كبير بين أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتشرح أزمة، وبين أن تستخدمه ليحل محل الأشخاص الذين عاشوا الأزمة ، فرق بين أن تساعد التكنولوجيا الصحفي، وبين أن تستبدل الصحفي ، فرق بين أن تساعد المصور، وبين أن تلغي الحاجة إلى التصوير ، وفرق أكبر بين أن نستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت، وبين أن نستخدمه لتوفير التجربة نفسها ، ربما نحن أمام أزمة جديدة لا تتعلق بنقص المحتوى، وإنما بفائض المحتوى المصطنع ، أصبح بإمكاننا إنتاج آلاف الفيديوهات يومياً، لكن السؤال الحقيقي هو: كم واحداً منها يستحق أن يُشاهد؟ وكم واحداً منها يقول شيئاً لم يكن بالإمكان قوله بطريقة أفضل من خلال إنسان حقيقي؟ لقد اعتدنا أن نقيس قيمة التكنولوجيا بما تستطيع أن تفعله ، وربما حان الوقت لأن نقيسها أيضاً بما يجب ألا تفعله ، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع صورة مقنعة للواقع، لكنه لا يستطيع أن يمنحها بالضرورة تجربة إنسان عاشها ، وفي زمن أصبحت فيه صناعة الفيديو سهلة إلى هذا الحد، ربما تصبح الحقيقة نفسها هي المحتوى الأكثر ندرة وقيمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :