facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خبزٌ يكتب تاريخ الوطن


د.عبدالفتاح طوقان
28-09-2026 09:24 AM

في المدينة التي لم يكن الناس يعرفون تاريخها إلا من خلال الخبز، كان الرغيف هو التقويم الوحيد. فإذا امتلأت الأفران، قالوا إن الوطن بخير، وإذا نقصت الأرغفة أو ارتفعت أسعارها، عرفوا أن شيئًا ما تغيّر في القصر، أو في الحقول، أو في العلاقة بين المدينة وأختها المجاورة.

كان المخبز الكبير يقع عند آخر المدينة، بين الساحة التي تُعلَّق فيها المراسيم، والحقل الذي يبدأ بعده الطريق إلى المدن الأخرى. وظلّ سنوات طويلة يصنع خبزه بالطريقة نفسها: يطحن القمح، ويعجنه، ثم يدخله النار، دون أن يسأل أحد من أين جاء القمح، ومن زرعه، وماذا ترك وراءه في الأرض.

كان الناس يظنون أن الرغيف يبدأ من يد الخباز، لكن الفلاحين كانوا يعرفون أنه يبدأ قبل ذلك بكثير: من حفنة تراب، ومن موسم لا يرحم، ومن قرار سياسي قد يصدر في غرفة بعيدة فيغيّر لون الحقول، ويعيد رسم حدود النفوذ، ويحدد من يأكل ومن ينتظر ودون السماح بأي صوت يعترض.

ففي تلك البلاد، لم يكن الخبز طعامًا فقط؛ كان وثيقة سياسية بين مدينتين متجاورتين. به كانت تُقاس قوة الحكام، وتُكتب فصول الطاعة والاحتجاج، وتُعرف المدن التي تملك قرارها من المدن التي تستعير قوت يومها من غيرها. كان المؤرخون يسجلون انتصارات الملوك في مدينة وخيانات في مدينة اخرى ، أما عامة الناس فكانوا يتذكرون المدن بعدد الأرغفة التي بقيت على موائد حكامها والشعب يجوع لايجد ثمن ذلك الخبز.

في أحد الأعوام، خرج كبير الخبازين إلى الناس وقال:

— لقد آن الأوان أن نغيّر نهجنا وطريقتنا. لن نبدأ بالطحين بعد اليوم، بل بالتربة. سنسأل أولًا: أيّ قمح يستطيع أن ينمو من دون أن يقتل الأرض؟ ثم نصنع خبزنا مما تمنحنا الحقول.

ضحك بعضهم. قال أصحاب المطاحن إن الأرض لا تفهم في السياسة، وإن الرغيف لا يحتاج إلا إلى قمح كثير ووعود أكثر.

وقال رجال القصر إن التغيير خطر، لأن الناس اعتادوا طعمًا واحدًا،ونهجا واحدا ، ولأن حاشية الحاكم نفسها المنتفعة من الخبز لا تحب أن تتغير الأشياء من تلقاء نفسها.

لكن الخبازين مضوا في طريقهم. أطلقوا على القمح الجديد اسم "قمح الأرض الحيّة" ؛ قمحًا لا يستنزف التربة، ولا يحوّل الحقل إلى آلة صامتة لإنتاج الخبز. كان الاسم يبدو زراعيًا، لكنه كان يحمل معنى سياسيًا عميقًا: أن مستقبل الوطن لا يُبنى باستهلاك أرضه، ولا بإفقار مدنه،ولا بتجويع الشعب ، ولا بتحويل الفلاح إلى تابع ينتظر ما يقرره الآخرون.

في البداية، لم يكن القمح الجديد يكفي الجميع. بعض الأرغفة ظلت تُصنع من القمح القديم، وبعضها خُلط بما نبت في الحقول الجديدة. وكان على الفلاحين أن يبدّلوا أدواتهم، وأن يتعلموا طرقًا لم يألفوها، وأن ينفقوا مالًا لا يملكونه وان يتحملوا قمع تحركاتهم على مستقبل لا يضمنه أحد.

وفي الجهة الأخرى من النهر، كانت تقوم مدينة مجاورة تشاركهم الطريق والماء والحدود، لكنها لم تكن تملك الحقول نفسها. كانت مدينتهم أكثر اعتمادًا على الأفران، بينما كانت المدينة الأولى أكثر التصاقًا بالأرض. وبمرور الوقت، نشأت بينهما علاقة غريبة: مدينة تزرع وأخرى تستهلك، مدينة تملك الطحين وأخرى تملك السوق، مدينة تحفظ البذور وأخرى تتحكم في توزيع الأرغفة.

لم يكن تقاسم الخبز بين المدينتين دائمًا عادلًا. ففي سنوات الوفرة، كانت المدينة الأولى ترسل جزءًا من قمحها إلى جارتها، لا بوصفه صدقة، بل باعتباره عهدًا بين مدينتين لا تستطيع إحداهما أن تعيش طويلًا دون الأخرى. وفي سنوات القحط، كانت الشاحنات تعود محمّلة بالوعود بدل الطحين، بينما تقف الطوابير أمام الأفران، ويبدأ الناس في اكتشاف أن الخبز يمكن أن يكون وسيلة للتضامن، كما يمكن أن يتحول إلى أداة للضغط والابتزاز.

وحين اختلفت المدينتان حول الهجرة و التهجير والحدود والمياه، لم يبدأ الصراع بالجنود، بل بدأ بالأكياس. أُغلقت بعض المخازن، وأُعيد توزيع الحصص، وارتفعت أسعار الرغيف في الأسواق. صار الخبز رسالة سياسية مختومة بالنقص: من يملك القمح يملك القدرة على التفاوض، ومن يملك الأفران يملك القدرة على إخضاع الجائعين.

كان أهل المدينة يقولون إن جارتهم لا تريد خبزهم فقط، بل تريد أن تجعلهم تابعين لها. وكان أهل المدينة المجاورة يقولون إن القمح لم يعد ملكًا لمدينة، بل حقًا مشتركًا بين شعبين وأطلق البعض شعار شعبا واحدا لا شعبين ، وبين القولين، كان الفلاحون والعمال يدفعون الثمن، لأن الصراع على الرغيف كان في حقيقته صراعًا على القرار، وعلى معنى الوطن، وعلى سؤال: هل الوطن أرض مشتركة أم مخزن مغلق؟

في تلك السنوات، صار تاريخ البلاد يُقرأ من خلال أرغفتها. كان عام الوفرة يُسمى عام الخبز الكامل، وعام الجفاف عام الرغيف الناقص، أما العام الذي تقاسمت فيه المدينتان آخر مخازنهما، فقد بقي في الذاكرة باعتباره العام الذي أنقذ الوطن من الانقسام.

ففي ليلة باردة، حين فرغت مخازن المدينتين تقريبًا، اجتمع شيوخهما عند الجسر الفاصل بينهما. لم يحملوا رايات، ولم يوقعوا معاهدة طويلة. أحضروا فقط أكياس القمح المتبقية، وقسموها بالتساوي. ثم قال أحدهم:

— لا يمكن لمدينة أن تشبع فوق جوع جارتها، ولا يمكن لوطن أن يبقى موحدًا إذا تحول الخبز فيه إلى امتياز لفئة دون أخرى.

منذ ذلك اليوم، صار تقاسم الخبز بين المدينتين جزءًا من دستور غير مكتوب. لم يكن معناه أن تتخلى مدينة عن حقها، او تكون واحده بديل لأخرى ، بل أن تفهم أن قوتها لا تكتمل إلا بقوة جارتها. فالخبز الذي يعبر الجسر لم يكن مجرد غذاء؛ كان يعبر محملًا برسالة مفادها أن الحدود لا ينبغي أن تمنع التضامن، وأن السياسة حين تفقد إنسانيتها تتحول إلى طابور طويل أمام فرن مغلق.

قال فلاح عجوز:

— نستطيع أن نزرع كما تريدون، لكن من سيشتري محصولنا إذا تغيّر الحاكم غدًا؟ او اصبحت مدينة بديلة للفلاحين ؟ ومن يضمن ألا يعودوا إلى الطريقة القديمة بعد أن نكون قد خسرنا كل شيء؟

لم يجبه أحد مباشرة. فقد كانت تلك هي المشكلة التي أخفاها الجميع تحت أكوام الشعارات: لا يستطيع الفلاح أن يغامر وحده، ولا تستطيع مدينة أن تؤمّن خبزها وحدها، ولا يستطيع وطن أن يكتب تاريخه إذا ترك أرضه رهينة للسوق أو للصراع السياسي.

في صباح اليوم التالي، وُضعت ثلاثة أرغفة على مائدة عامة في الساحة. كان الأول داكن اللون، غني الرائحة، يحمل في داخله ذاكرة المطر. وكان الثاني فاتحًا وناعمًا، لكنه احتاج إلى سنوات من التجربة حتى يحتفظ بلونه من دون أن يفقد صلته بالأرض. أما الثالث فكان ذهبي القشرة، مألوفًا في عيون الناس، كأنه صورة للماضي وقد أعيد خبزه.

وقف الناس حول الأرغفة، لا باعتبارها طعامًا فقط، بل باعتبارها اختيارات. كان كل رغيف يقول شيئًا عن المستقبل: إنهم يريدون أرضًا تُشفى، أو مدينة تتسع للجميع، أو ماضيًا يُعاد ترتيبه دون أن يُعبد.

جاء رجال القصر وأرادوا أن يختاروا رغيفًا واحدًا للناس. قالوا إن كثرة الأنواع تربك العامة، وإن المدينة تحتاج إلى خبز موحد، كما تحتاج إلى رأي موحد.

لكن امرأة من الحي القديم تقدمت، ورفعت الرغيف الداكن، ثم قالت:

— لسنا بحاجة إلى رغيف واحد، بل إلى أرض لا تموت كي نشبع، ووطن لا يجوع كي يحكمه أحد وان تحتفظ كل مدينه باهلها و استقلالها وحريتها.

لم تكن عبارتها صرخة، لكنها انتشرت في الساحة أسرع من أي مرسوم. فهم الناس أن الاختيار الصغير قد يكون أوسع من صندوق الاقتراع، وأن شراء رغيف بعينه ليس عادة فقط، بل تصويت هادئ على نوع القمح، وعلى شكل العلاقة بين الفلاح والسوق، وبين المواطن والسلطة، وبين المدينة وجارتها.

منذ ذلك اليوم، صار الناس يسألون قبل أن يشتروا:

من زرع هذا القمح؟
من ربح من هذا الرغيف؟
كم بقي من الأرض بعد أن امتلأت الأفران؟
وهل يصل الخبز إلى المدينة المجاورة كما يصل إلى أحيائنا؟

لم تتغير المدينة دفعة واحدة. لم تختفِ المطاحن القديمة، ولم يتخلَّ أصحابها عن نفوذهم. ظلوا يلوّحون بالخوف، ويقولون إن الخبز الجديد مؤامرة على الاستقرار، وإن الأرض لا تحتاج إلى أسئلة بل إلى أوامر.

لكن شيئًا كان قد بدأ يتبدل. لم يعد الناس يرون الرغيف بوصفه نهاية الطريق، بل بوصفه أثرًا لكل ما سبقه: قرارًا سياسيًا، وعملًا زراعيًا، وخوفًا قديمًا، وثقة تُبنى ببطء، وعلاقة بين مدينتين يمكن أن تكون شراكة أو صراعًا.

وهكذا أدرك أهل المدينة أن الحفاظ على الأرض ليس شأنًا زراعيًا عابرًا، ولا قضية مؤجلة إلى مواسم الرخاء، بل هو من صلب الحياة ومن جوهر الانتماء إلى الوطن. فالأرض ليست مساحة نعيش فوقها فحسب، بل ذاكرة وهوية وحق الأجيال القادمة. ومن يتخلى عنها، يتخلى عن جزء من نفسه، ويترك وطنه عرضة لأن يتحول إلى حكاية منسية.

كان العجوز يقول كلما رأى رغيفًا يُلقى في الطريق:

— إذا فرّطنا في الأرض، فلن يبقى لنا إلا " خبزا كان" ثم ينتهي "الخبر" إلى الأبد.

وبعد أعوام، لم يعد السؤال في الأسواق: أي خبز نأكل؟

بل صار السؤال:

أي أرض نريد أن تبقى لنا؟ وأي سياسة نريد أن نطعم بها أبناءنا؟ وهل نقسم الخبز بعدل، أم نقسم الوطن معه؟

ومنذ ذلك الحين، بقيت قاعدة واحدة مكتوبة فوق باب المخبز:

دعوا الأرض لاهلها تبدأ أولًا، فكل رغيف لا يحمي تربته يحمل في داخله جوعًا مؤجلًا، وكل وطن لا يحمي أرضه قد يصبح خبزًا كان… وخبرًا انتهى.

aftoukan@yahoo.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :