facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لا يمكن تحديث المنظومة السياسية دون تحديث الكائن السياسي الذي سيعمل داخلها


نيڨين العياصرة
28-09-2026 11:33 AM

حين نتحدث عن تحديث المنظومة السياسية في الأردن فإننا نتحدث عن عملية واسعة تمس القوانين الناظمة للحياة السياسية والأحزاب والانتخابات والعمل النيابي والعلاقة بين الدولة والمجتمع وتفتح الطريق أمام انتقال تدريجي نحو حياة حزبية أكثر برامجية وتمثيلاً، وقد أخذ هذا المسار شكله التشريعي والمؤسسي خلال السنوات الأخيرة وأصبح تأهيل القيادات السياسية القادرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية جزءاً صريحاً من أهداف تحديث الحياة الحزبية.

وهنا تظهر مسألة أعمق تتعلق بالإنسان الذي سيعمل داخل هذه المنظومة، فالقانون يصنع الإطار، والمؤسسة تنظم العمل، والحزب يقدم البرنامج، والانتخابات تمنح التفويض، ثم يأتي السياسي ليحمل كل هذه العناصر إلى الممارسة اليومية، ومن هنا يمكن النظر إلى الكائن السياسي باعتباره أحد أهم عناصر عملية التحديث لأنه الشخص الذي سيقرأ القانون ويفهم الدستور ويدير الحوار ويشارك في صناعة التشريع ويمارس الرقابة ويتعامل مع الاقتصاد والمجتمع والسياسة الخارجية ويتخذ مواقف تمس حياة الناس والدولة.

الكائن السياسي في المرحلة الجديدة يحتاج إلى مجموعة من المعارف والمهارات التي تتجاوز الخبرة الانتخابية وحدها، فالخبرة الاجتماعية والعشائرية والمهنية والشخصية تشكل جزءاً من الرصيد السياسي، بينما تتطلب الوظيفة النيابية والحزبية معرفة بطبيعة الدولة الحديثة وآليات عمل المؤسسات وعلم الاقتصاد والسياسات العامة والتشريع والرقابة والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان، ومع انتقال الحياة النيابية تدريجياً نحو العمل الحزبي والبرامجي، يصبح مستوى المعرفة السياسية جزءاً من قدرة النائب والحزب على تقديم مشروع قابل للنقاش والتنفيذ.

وتقود هذه الفكرة إلى سؤال أساسي.. ما الحد الأدنى من المعرفة التي يحتاجها الشخص الذي يريد ممارسة العمل السياسي؟ السؤال هنا يتعلق بجودة الممارسة السياسية نفسها، وبقدرة النائب على الانتقال من التعامل مع الملفات باعتبارها مطالب فردية أو محلية إلى التعامل معها باعتبارها قضايا عامة تحتاج إلى سياسات وحلول وتشريعات.

يمكن أن يبدأ هذا المعيار من معرفة عميقة بوظيفة البرلمان، معرفة كيفية صناعة القانونو ومراحل التشريع وأدوات الرقابة وطبيعة اللجان النيابية وآليات تشكيل الكتل وأصول النقاش والفرق بين السؤال والاستجواب والاقتراح بقانون وكيفية قراءة الموازنة العامة، وكيفية تقييم أداء الحكومة والوزارات،هذه المعرفة تمنح النائب أدوات العمل وتجعله أكثر قدرة على ممارسة دوره داخل المؤسسة التشريعية.

ثم تأتي معرفة تاريخ الديمقراطية وتطور فكرة التمثيل السياسي، السياسي الذي يعرف كيف نشأت البرلمانات وكيف تطورت فكرة المواطنة وكيف تشكلت الأحزاب الحديثة وكيف انتقلت المجتمعات من أشكال الحكم التقليدية إلى الدولة الدستورية، يستطيع قراءة تجربته الوطنية ضمن سياق أوسع ويفهم أن المؤسسات السياسية تراكم تاريخي يحتاج إلى ممارسة وثقافة وأعراف إلى جانب النصوص القانونية.

وتحتاج الحياة السياسية الأردنية كذلك إلى معرفة دقيقة بتاريخ الدولة الأردنية وتطور دستورها ومؤسساتها ومراحل بناء الدولة ومفهوم المواطنة والعلاقة بين السلطات وسيادة القانون، هذه المعرفة تمنح السياسي قدرة أكبر على فهم خصوصية التجربة الأردنية وعلى التمييز بين الثوابت الوطنية والقضايا التي تدخل في مجال التطوير السياسي والإداري والتشريعي.

وتدخل حقوق الإنسان ضمن المعرفة الأساسية للسياسي المعاصر؛ لأن التشريع والسياسات العامة والحريات العامة والعدالة والمساواة والمشاركة السياسية أصبحت مترابطة في بنية الدولة الحديثة، ويحتاج السياسي إلى معرفة المبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواثيق الدولية ذات الصلة وموقع الحقوق والحريات في الدستور والتشريعات الأردنية.

ثم تأتي الفلسفة والمنطق والأخلاق باعتبارها أدوات تساعد السياسي على بناء الحجة وفهم الاختلاف وترتيب الأفكار والتمييز بين الرأي والمعلومة والادعاء والدليل، فالعمل السياسي يقوم في جانب كبير منه على القدرة على النقاش، وإدارة الاختلاف وقراءة الأفكار وتقدير نتائج القرارات وفهم المسؤولية الأخلاقية المترتبة على السلطة العامة.

وتبرز علوم النفس وعلم النفس الاجتماعي ضمن الحقول المهمة للكائن السياسي لأن السياسة في جوهرها تتعامل مع الإنسان والجماعة والرأي العام والسلوك الانتخابي والمخاوف والتوقعات والصورة الذهنية والثقة، وفهم المجتمع يحتاج إلى معرفة الطريقة التي تتشكل بها الاتجاهات العامة وكيف تنتشر الشائعات وكيف تتكون الجماعات السياسية وكيف يؤثر الخطاب في الجمهور.

أما الاقتصاد فيحتاج إلى حضور أساسي في تكوين السياسي؛ لأن معظم القرارات العامة ترتبط في النهاية بالمال والعمل والإنتاج والاستثمار والدين العام والموازنة والضرائب والتضخم والبطالة والنمو، ويحتاج النائب إلى القدرة على قراءة الأرقام الاقتصادية وفهم العلاقة بين القرار السياسي والنتيجة الاقتصادية والاجتماعية، حتى تصبح مناقشة الموازنة والسياسات الاقتصادية قائمة على المعرفة.

وتأتي المعرفة بالتاريخ والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية لتكمل الصورة، فالأردن يتحرك داخل إقليم شديد التعقيد، ويتأثر بالأحداث الإقليمية والدولية وتحتاج مواقفه إلى قراءة دقيقة للتحولات المحيطة به، السياسي الذي يمتلك هذه المعرفة يستطيع بناء موقف أكثر اتزاناً ويقرأ مصالح الدولة ضمن شبكة واسعة من المصالح والتحالفات والتحديات.

وهناك كذلك المعرفة التخصصية التي يحتاج إليها السياسي بحسب موقعه واهتمام، فعضو لجنة الصحة يحتاج إلى معرفة بالسياسات الصحية، وعضو لجنة التعليم يحتاج إلى معرفة بنظم التعليم ومن يتعامل مع الإدارة المحلية يحتاج إلى فهم اللامركزية والبلديات والخدمات العامة، ومن يتعامل مع الاقتصاد يحتاج إلى أدوات التحليل الاقتصادي، ويمكن للأحزاب أن تتحول هنا إلى مدارس سياسية حقيقية تقدم لأعضائها مسارات تدريبية متخصصة.

وهذا يقود مباشرة إلى دور الأحزاب في صناعة الكائن السياسي، فالحزب في التجربة التي تستهدفها عملية التحديث يحتاج إلى أن يكون مؤسسة لإنتاج الأفكار والسياسات والقيادات وأن يمتلك برامج تدريبية مستمرة لأعضائه وأن يفتح مسارات للقيادات الشابة، وأن يؤهل المرشحين للعمل النيابي والحكومي، وهذا يتفق مع أحد الأهداف التي حددتها اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية والمتعلق بتأهيل قيادات سياسية كفؤة وقادرة على التعامل مع التحديات وتولي المسؤوليات الحكومية والعمل النيابي.

وعندما يصبح الحزب قادراً على إنتاج القيادات يصبح النائب جزءاً من مشروع سياسي أوسع، يقرأ البرنامج ويفهم السياسات التي يقترحها حزبه ويتدرب على العمل البرلماني ويتعامل مع الكتلة باعتبارها مساحة لصناعة الموقف السياسي، ويتحمل مسؤولية القرار أمام الناخبين والحزب والمجتمع. وهذا هو المسار الذي يمكن أن يحول البرلمان من مجموعة أفراد إلى مؤسسة سياسية تعمل فيها الكتل وفق رؤى وبرامج.

إن تحديث المنظومة السياسية يفتح مرحلة مختلفة في العلاقة بين السياسي والناخب، فالناخب مع الوقت سيصبح أمام برامج وسياسات وأسماء حزبية والسياسي سيصبح مطالباً بتقديم إجابات عن الاقتصاد والتعليم والصحة والعمل والطاقة والإدارة المحلية والخدمات العامة، ومع اتساع هذا المجال تتراجع قيمة الخطاب العام المجرد وتزداد قيمة المعرفة والقدرة على تقديم حلول قابلة للنقاش والتطبيق.

ومن هنا يصبح إصلاح الكائن السياسي جزءاً من إصلاح المنظومة نفسها، فالتشريعات تضع القواعد والأحزاب تنتج البرامج والانتخابات تمنح الشرعي، والمؤسسات تستوعب الممارسة والسياسي يحول كل ذلك إلى فعل يومي، وأي خلل في أحد هذه العناصر ينعكس على النتيجة النهائية.

الأردن دخل فعلياً مرحلة جديدة من التحديث السياسي والحكومة ما زالت تعمل على تطوير التشريعات المرتبطة بالانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية ضمن مسار تنفيذي متواصل لمخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وهذا يجعل سؤال تأهيل السياسي أكثر إلحاحاً؛ لأن السنوات المقبلة ستضع أمام الأحزاب والنواب مسؤوليات سياسية وبرامجية أكبر.

المطلوب في المرحلة القادمة يمكن أن يكون تأسيس ثقافة سياسية جديدة تبدأ من الحزب وتصل إلى البرلمان، ثقافة تقوم على القراءة والتدريب والحوار والبحث وفهم الأرقام وتحليل السياسات واحترام المؤسسات والقدرة على إدارة الاختلاف، وحين يصبح هذا النوع من التأهيل جزءاً من الحياة الحزبية، فإن تحديث القوانين يجد من يحملها ويفهمها ويمارسها بصورة ناضجة.

السؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: كيف نؤهل الكائن السياسي الأردني للمرحلة القادمة؟ وما المعارف التي ينبغي أن يمتلكها كل من يتقدم للعمل النيابي أو الحزبي؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تتحول إلى مدارس لإنتاج القيادات السياسية؟ وهل نحتاج إلى برنامج وطني مشترك للتأهيل السياسي والبرلماني يدرس فيه السياسيون مبادئ الدستور والبرلمان والاقتصاد وحقوق الإنسان والتاريخ والفلسفة والسياسات العامة؟

هذه الأسئلة جزء من عملية التحديث نفسها؛ لأن بناء المؤسسة السياسية يحتاج إلى بناء الإنسان الذي سيعمل داخلها. وعندما تتغير القواعد وتتطور المؤسسات وتتوسع مساحة العمل الحزبي، تصبح الحاجة أكبر إلى سياسي يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على التفكير وصناعة القرار، عندها فقط يصبح تحديث المنظومة السياسية مساراً متكاملاً ينتقل من النصوص إلى الممارسة، ومن التشريع إلى الثقافة، ومن شكل المؤسسة إلى مضمونها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :