الأردن آمن لكن سياحته تدفع ثمن الخريطة
سمير حمدان - بودابست
28-09-2026 06:28 PM
أخطر ما يهدد السياحة الأردنية لا يقع داخل الأردن، بل حوله، فصاروخ يعبر سماء دولة مجاورة، أو حرب على بعد مئات الكيلومترات، أو إغلاق مؤقت لمجال جوي، قد يلغي حجزًا في البتراء، هنا تتحول الجغرافيا من أصل سياحي إلى ضريبة جيوسياسية، ويكتشف الأردن أن حماية حدوده لا تكفي ما لم يحمِ صورته من خريطة لا يملك تغييرها.
دخل الأردن عام ٢٠٢٦ من قاعدة صلبة، ففي ٢٠٢٥ استقبل نحو ٧ ملايين زائر، وحقق دخلًا سياحيًا يقارب ٧٫٨ مليارات دولار، بما يعادل ١٣٫٢٪ من الناتج المحلي، وضمت منشآته الفندقية قرابة ٣٧ ألف غرفة، ما يجعل السياحة ركيزة للتشغيل والعملات الأجنبية والأمن الاقتصادي.
لكن المؤشر الأهم هو ما تغير داخل القطاع، فخلال الأشهر الثمانية الأولى من ٢٠٢٦ ارتفع الدخل السياحي ٢٫٩٪ إلى ٥٫٥٦ مليارات دولار، مع نمو إيرادات العرب ١٦٫٣٪ والآسيويين ٩٫٥٪، مقابل تراجع الأميركيين ١٧٫١٪ والأوروبيين ٢٣٫٧٪، والمفارقة أن البنك المركزي سجل في ٢٠٢٥ نمو إيرادات الأوروبيين ٣٩٫٨٪ والأميركيين ١٨٫٨٪، أي أن اتجاه أسواق بعيدة مهمة انقلب خلال أقل من عام.
هذه هي الجيوسياحة، فالسائح لا يشتري غرفة وتذكرة وموقعًا أثريًا فقط، بل يشتري تقديرًا للمخاطر تصنعه الأخبار وتحذيرات السفر والتأمين والطيران ومنظمو الرحلات، لذلك قد يكون الأردن آمنًا على الأرض، ويبدو أخطر على شاشة الحجز، والفارق هو علاوة المخاطر السياحية، كلفة تفرضها الجغرافيا دون حادث داخل المملكة.
والطيران يقدم الدليل الأكثر حساسية، فقد استقبل مطار الملكة علياء ٣٫٧٤ ملايين مسافر في النصف الأول من ٢٠٢٦، بانخفاض ١٥٪، بعدما كان التراجع ٧٫٤٪ في الربع الأول، ما يعني أن الانخفاض المحسوب للربع الثاني تجاوز ٢٢٪، أي أن الضغط تسارع مع اشتداد الاضطراب، والصدمة تضرب شبكة الاتصال التي تحمل السياحة، لا الفنادق وحدها.
وتكشف الإيرادات مفارقة أخرى، ففي يوليو قفز الدخل السياحي ٢٤٫٩٪ مدفوعًا بالسياحة العربية وموسم الخليج، لكن الأشهر السبعة الأولى انتهت بتراجع ٠٫٢٪، قبل أن يرتفع الدخل ١٧٫٢٪ في أغسطس، فالنمو الإجمالي لا يعني عودة الطلب القديم، بل قد يعكس إحلالًا للطلب، إذ تعوض أسواق صاعدة جزءًا من تراجع أخرى، دون أن تتطابق بالضرورة مدة الإقامة والإنفاق.
من هنا يحتاج الأردن إلى استراتيجية لثلاثة سيناريوهات، فإذا هدأ الإقليم، تكون الأولوية لاستعادة الأسواق الأوروبية والأميركية وإطالة الإقامة ورفع الإنفاق، وإذا استمرت الاضطرابات، يصبح المطلوب تثبيت الطلب الإقليمي وحماية الاتصال بالأسواق البعيدة، أما إذا اتسعت الأزمات وتكررت إغلاقات الأجواء، فيتحول الهدف من تعظيم الزوار إلى صون الرحلات والإيرادات والوظائف.
ولا يكفي رسم السيناريوهات، بل تحتاج إلى عتبات تدخل، ويمكن اعتماد تراجع ٢٠٪ عن المتوسط الموسمي في المقاعد أو الحجوزات بسوق رئيسية عتبة أولية قابلة للمراجعة، تُفعّل عندها حوافز الطيران وحملة موجهة لذلك السوق، فينتقل القرار من معالجة الخسارة إلى استباقها.
وتبدأ الأدوات باعتبار الاتصال الجوي بنية للأمن الاقتصادي، وتحديد خطوط استراتيجية والحفاظ على حد أدنى من المقاعد أثناء الصدمات، والثانية غرفة وطنية لإدارة المخاطر السياحية، تبني مؤشرًا أسبوعيًا يرصد الحجوزات والإلغاءات والمقاعد والتأمين وتحذيرات السفر ومدة الإقامة والإنفاق، وتتواصل مع الحكومات ومنظمي الرحلات للدفع نحو تحذيرات تميز بين أمن المملكة وأزمات جوارها.
أما الأداة الثالثة فهي محفظة سياحية موزعة المخاطر، تجمع الأسواق العربية والآسيوية والغربية، وتوسع السياحة الدينية والعلاجية والمؤتمرات والمغامرات، وتربط عمّان والبتراء ووادي رم والعقبة بمسارات تطيل الزيارة وترفع قيمتها، فالتنوع هنا بوليصة تأمين جيوسياسية.
الاستخلاص الأهم أن انتظار هدوء الشرق الأوسط ليس استراتيجية، والمعيار الأدق للنجاح ليس ذروة أعداد السياح في السنوات الهادئة، بل سرعة التعافي وحجم الخسارة التي يستطيع القطاع امتصاصها بعد كل صدمة.
الأردن لا يستطيع نقل البتراء بعيدًا عن أزمات المنطقة، لكنه يستطيع منع العالم من تسعيرها كأنها في قلبها، فالمعركة ليست مع الجغرافيا، بل مع الثمن الذي يدفعه الأردن بسببها.