facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثروة غير المبررة وغسل الأموال: أين يلتقي المساران؟


قصي حمدان الجمال
29-09-2026 06:45 PM

في عالم الجرائم المالية لم يعد السؤال:"كم يملك الشخص؟"، بل أصبح السؤال الأهم: "كيف حصل على ما يملك؟".

فقد يمتلك شخص عقارات فاخرة، وحسابات مصرفية ضخمة، وأسطولاً من المركبات، بينما لا يتناسب ذلك مع دخله المعروف أو نشاطه المعلن. هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي يلتقي فيها مسارا الثروة غير المبررة وغسل الأموال.

غسل الأموال في جوهره ليس جريمة توليد المال، بل جريمة إخفاء مصدره الحقيقي. أما الثروة غير المبررة فهي المؤشر الذي يدفع السلطات إلى طرح السؤال الأول: هل جاءت هذه الأموال من مصدر مشروع أم أنها حصيلة فساد أو احتيال أو تهرب ضريبي أو جرائم منظمة تم منحها غطاءً قانونياً؟

على مدى سنوات طويلة ركزت أنظمة مكافحة غسل الأموال على تتبع الحوالات المالية والحسابات المصرفية والعمليات المشبوهة. لكن المجرمين تعلموا بسرعة كيف يخفون آثارهم عبر الشركات الوهمية، والأشخاص الواجهات، والعقارات، والتجارة الدولية، والأصول الرقمية. لذلك بدأ العالم ينتقل تدريجياً من مراقبة الحركة المالية فقط إلى مراقبة الثروة نفسها.

ومن هنا تبرز أهمية التوجهات الحديثة التي تسمح بإجراء تحقيقات مالية موسعة عندما تظهر مؤشرات على وجود أموال أو ممتلكات لا تتناسب مع الدخل المشروع المعروف لصاحبها، إلى جانب تعزيز إجراءات تتبع الأصول واستردادها ومصادرتها وفقاً للإجراءات القضائية المقررة. ويظهر هذا التوجه أيضاً في مشروع القانون المعدل لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2026 الذي وسّع مفهوم استرداد الأصول وأتاح التحقيق المالي الموسع في حالات محددة تتعلق بالأموال غير المتناسبة مع الدخل المشروع.

الحقيقة التي لا يرغب الكثيرون في الحديث عنها هي أن الفاسدين ومجرمي غسل الأموال لا يحتفظون عادةً بأموالهم نقداً داخل خزائن مغلقة. الأموال تتحول إلى أصول، والأصول تتحول إلى ثروات، والثروات تتحول إلى نفوذ اقتصادي واجتماعي. وعندما تصل الأموال إلى هذه المرحلة يصبح كشف مصدرها أكثر أهمية من تتبع شكلها.

لذلك فإن وضع سقوف للمدفوعات النقدية قد يساعد في تضييق بعض المسارات، لكنه ليس المعركة الحقيقية. المعركة الحقيقية تبدأ عندما يصبح من الصعب على أي شخص أن يراكم ثروة ضخمة دون أن يكون قادراً على تفسير مصدرها بشكل منطقي وقانوني. فالمجرم لا يخشى القيود على الدفع النقدي بقدر ما يخشى أن يُسأل عن أصل الأموال التي موّلت تلك الثروة.

إن مكافحة غسل الأموال في نسختها الحديثة لم تعد مجرد مطاردة للمعاملات المشبوهة، بل أصبحت مطاردة للفجوة بين الدخل والثروة، بين النشاط الاقتصادي الحقيقي والثروة الظاهرة، وبين ما يُعلن وما يُخفى.

وفي النهاية، فإن تجفيف منابع الفساد والجرائم المالية لا يتحقق فقط بتتبع الأموال أثناء حركتها، بل أيضاً بتتبع الثروات بعد استقرارها. فعندما يصبح السؤال عن مصدر الثروة سؤالاً مشروعاً ومستمراً، تصبح عملية غسل الأموال أكثر صعوبة، وتصبح بيئة الاستثمار أكثر شفافية، ويصبح الاقتصاد أكثر قدرة على حماية نفسه من الأموال القذرة.
لأن القضية في النهاية ليست كم تملك... بل كيف امتلكت ما تملك.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :