حين يصرخ مكبّر الصوت ويصمت الكتاب
كابتن أسامة شقمان
30-09-2026 11:47 AM
مساء أمس ذهبت برفقة العائلة إلى معرض عمّان الدولي للكتاب في مكة مول وكانت لهذه الزيارة عندي خصوصية لا تشبه أي زيارة سابقة فهي في الحقيقة المرة الأولى التي أذهب فيها إلى معرض الكتاب في الوطن. في الأعوام الماضية كنت أفتقد هذه المناسبة عامًا بعد عام مرة أكون في مدينة العقبة ومرة أكون خارج الوطن فتأتي أيام المعرض وتمضي وأنا أتابع أخباره من بعيد وأقول لنفسي، لعل العام المقبل يكون لي نصيب فيه.
ولهذا كنت متحمسًا لهذه الليلة على نحو خاص، كنت أريد أن أصل مبكرًا وأن أتمهل في التجوال وأن أمر على أجنحة دور النشر واحدًا واحدًا وأن أرى المعرض كله تقريبًا من أوله إلى آخره، لم أكن ذاهبًا لشراء كتاب بعينه بل للاستمتاع بفكرة المعرض وبرؤية الكتب مصطفة والناشرين والقراء والعائلات والوجوه التي جاءت من أجل الكلمة، كنت أريد أن أعيش تلك الساعات بلا استعجال.
ربما لأنني انتظرتها طويلًا، وربما لأن معرض الكتاب بالنسبة إليّ لم يكن يومًا مناسبة عابرة ولم تبدأ علاقتي به بعد التقاعد، لقد رافقني هذا الشغف وأنا لا أزال أعمل طيارًا في سنوات كانت حياتي فيها موزعة بين المطارات والفنادق ومواعيد الإقلاع والهبوط، وأذكر أنني كلما وصلت إلى مدينة وعلمت أن معرضًا للكتاب يقام فيها كنت أتعامل مع الأمر وكأنني عثرت على هدية لم تكن مدرجة في جدول الرحلة.
كنت أصل إلى الفندق بعد رحلة قد تمتد ساعات طويلة أستلم مفتاح غرفتي أضع حقيبتي أخلع بزتي الرسمية أغير ملابسي ثم لا أكاد أستقر في الغرفة حتى أكون في الطريق إلى معرض الكتاب، لم أكن أسأل نفسي كثيرًا إن كنت متعبًا، فثمة تعب يزول بالنوم وثمة تعب لا يزيله إلا شيء نحبه.
وكان الكتاب بالنسبة إليّ واحدًا من تلك الأشياء، كنت أقول لنفسي إن المدن لا تُعرف من شوارعها ومطاعمها وفنادقها فقط، هناك وجه آخر للمدينة يظهر عندما تدخل مكتبتها أو معرض كتابها، هناك تستطيع أن ترى ماذا تقرأ وما الذي تترجمه وما الأسئلة التي تشغل أهلها وأي الأفكار تعبر حدودها.
وأذكر على وجه الخصوص فرانكفورت ولندن. ولهذا حين توجهت مساء أمس إلى معرض عمّان لم أكن أدخل مجرد قاعة للكتب، كنت أدخل مناسبة انتظرتها سنوات وفي داخلي رغبة حقيقية في أن أراها بعيني وأن أستمتع بكل تفاصيلها وأن أقول أخيرًا، ها أنا أزور معرض الكتاب في وطني.
لكن المفارقة أن هذه الحماسة الكبيرة لم تعش طويلًا.
فبعد معاناة في العثور على موقف للسيارة دخلنا القاعة وبدل أن يستقبلني هدوء الكتب أو همهمة الزوار أو حوار هادئ بين قارئ وناشر استقبلني الصوت قبل كل شيء آخر، غناء موسيقى مكبرات صوت وضجيج يملأ الفضاء حتى شعرت للحظة وكأنني دخلت حفل عرس أو مهرجانًا غنائيًا لا معرضًا للكتاب.
حاولت أن أتأقلم، وقلت لنفسي إن الأمر ربما لا يتجاوز دقائق لكن الدقائق امتدت والأصوات بقيت والتركيز بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا وبعد نحو نصف ساعة فقط كانت المفارقة التي لم أتوقعها أبدًا، الرجل الذي انتظر سنوات كي يزور معرض الكتاب في وطنه والذي جاء تلك الليلة وهو يريد أن يرى كل زاوية فيه بدأ يبحث عن باب الخروج.
خرجت قبل أن أرى المعرض كما تمنيت.
خرجت قبل أن أمر على الأجنحة التي كنت أريد زيارتها.
خرجت قبل أن أمنح الكتب الوقت الذي جئت من أجله.
وخرجت ورأسي ممتلئ بالأصوات بدل الأفكار.
وهنا بدأت أتساءل. من الذي أقنعنا بأن الثقافة تحتاج إلى مكبر صوت كي تثبت أنها حية؟
الثقافة لا تحتاج أن تصرخ.
والكتاب تحديدًا لا يعرف الصراخ.
إنه أكثر الأشياء الإنسانية اعتمادًا على الهدوء، يحتاج إلى عين تتوقف وعقل يصغي ولحظة قصيرة ينسحب فيها الإنسان من صخب العالم كي يدخل عالمًا آخر ومن هنا تبدو المفارقة مؤلمة، أن تذهب إلى مكان أقيم من أجل الكتاب ثم يصبح الكتاب أضعف الموجودين فيه صوتًا.
أنا لست ضد الموسيقى ولا ضد الغناء ولا ضد الفنون الموسيقى ثقافة والغناء ثقافة والمسرح ثقافة والشعر ثقافة، لكن الثقافة أيضًا هي أن نعرف أين نضع الأشياء، الموسيقى الرائعة قد تتحول إلى ضجيج إذا وضعت في المكان الخطأ والقصيدة الجميلة قد تصبح إزعاجًا إذا ألقيت بمكبر صوت إلى جوار قارئ يريد أن يفهم فقرة والمشكلة ليست في وجود برنامج فني أو موسيقي داخل معرض الكتاب وإنما في أن يصبح هذا البرنامج قادرًا على الهيمنة صوتيًا على المعرض كله.
فالتنظيم الثقافي ليس حسابًا للأعداد ولا منافسة في عدد الفعاليات، إنه هندسة للتجربة الإنسانية.
كيف يدخل الزائر؟
كيف يتحرك؟
هل يستطيع أن يتصفح؟
هل يستطيع الحديث إلى ناشر؟
هل يستطيع سماع ندوة لأنه اختار سماعها لا لأن مكبر الصوت قرر أن يسمعها له ؟ وهل يستطيع أن يقضي ساعتين في المعرض من دون أن يتحول الاستمتاع إلى إجهاد ؟ ولأنني عرفت معارض الكتب في مدن أخرى لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة. في فرانكفورت وفي لندن وفي غيرهما المعارض حية ومزدحمة ومليئة بالفعاليات لكنها مصممة بحيث تعرف كل فعالية مكانها ويعرف الصوت حدوده وتبقى للكتاب مساحة يستطيع فيها أن يتنفس.
وهنا تكمن الفكرة كلها. يمكن أن يكون المكان حيًا دون أن يكون صاخبًا.
تجاوزت السبعين، وقضيت أكثر من أربعة عقود بين السماء ومدن العالم وعشت عمرًا كان المطار فيه بابًا يوميًا إلى ثقافات كثيرة ومن تلك التجربة تعلمت شيئًا بسيطًا. الرقي ليس في مقدار الصوت الذي تستطيع إنتاجه بل في معرفتك متى ينبغي أن تخفضه.
وربما يسمح لي تاريخي في الطيران بمقارنة تبدو غريبة قليلًا، فالطائرة نفسها تحمل محركات قادرة على إنتاج هدير هائل ومع ذلك تنفق صناعتها الكثير من الهندسة والمال من أجل عزل هذا الصوت عن المسافر. نحن لا نقول للمسافر، هذه طائرة وعليك أن تتحمل صوت المحرك.
بل نسأل، كيف نجعل قوة المحرك موجودة من دون أن تتحول إلى عقوبة على أذن الإنسان؟ فكيف نهندس الصوت داخل طائرة ثم نعجز عن هندسته داخل معرض للكتاب؟
الحل ليس معقدًا.
خصصوا قاعة أو مساحة مناسبة للعروض الموسيقية، اضبطوا مستوى مكبرات الصوت، ضعوا المنصات بعيدًا عن أجنحة دور النشر، أنشئوا مناطق للقراءة والجلوس الهادئ، واجعلوا تجربة الزائر معيارًا للنجاح إلى جانب أعداد الحضور والفعاليات، لكن القضية أعمق من السماعات.
السؤال الحقيقي هو. ماذا نريد من معرض الكتاب أصلًا ؟ هل نريده مهرجانًا عامًا توجد فيه بعض الكتب؟ أم نريده معرضًا للكتاب تحيط به فعاليات ثقافية ؟ بين العبارتين مسافة فكرية هائلة، في الأولى يصبح الكتاب مجرد عنصر من عناصر المشهد. وفي الثانية يصبح الكتاب هو المركز وتدور الأشياء الأخرى حوله لخدمته.
وفي معرض الكتاب ينبغي أن يبقى الكتاب سيد المكان.
- لا المنصة
- ولا الميكروفون.
- ولا مكبر الصوت.
- فالكتاب كائن غريب.
- لا يطالب بحقوقه.
- لا يشتكي.
- ولا يرفع صوته.
يمكن أن تضع ألف كتاب في قاعة، ثم تجعل مكبر صوت واحدًا يهزمها جميعًا ولهذا فإن مهمة المنظم ليست أن يحضر الكتب إلى القاعة فقط وإنما أن يحمي المساحة التي يستطيع فيها الكتاب أن يتحدث بطريقته، وطريقة الكتاب في الكلام هي الصمت.
وربما كانت خيبة أملي هذه المرة أكبر لأنني انتظرت هذه الزيارة طويلًا، كنت أريد أن أقول إنني أخيرًا زرت معرض الكتاب في وطني، كنت أريد أن أعود إلى البيت وفي يدي كتب كثيرة وفي ذهني أسماء جديدة وفي قلبي ذلك الشعور الجميل الذي أعرفه منذ أيام الطيران حين كنت أعود من معارض الكتب إلى الفندق محملًا بما يزيد على حاجة الحقيبة.
لكنني عدت هذه المرة بشيء آخر.
عدت بسؤال.
كيف يمكن لإنسان كان يصل إلى مدينة غريبة بعد رحلة طويلة ويغير ملابسه على عجل ثم يهرع إلى معرض الكتاب مهما كان مرهقًا، أن يصل أخيرًا إلى معرض الكتاب في وطنه بعد سنوات من الانتظار ثم يغادره بعد نصف ساعة؟
ليست المشكلة في الكتاب، ولا في شغف القارئ. بل في التجربة التي صنعناها حولهما، لهذا لا أكتب هذه الكلمات هجومًا على معرض عمّان الدولي للكتاب، بل دفاعًا عنه فالإنسان لا ينتقد ما لا يعنيه ولو لم يكن هذا المعرض عزيزًا علينا ولو لم ننتظره عامًا بعد عام لما أزعجنا ما يحدث فيه.
نريده معرضًا يليق بعمّان، ويليق بالأردن، ويليق بالكتاب.
أريد أن أخرج منه متعب اليدين من حمل الكتب لا متعب الرأس من الأصوات، أريد أن أعود إلى بيتي وفي ذهني فكرة جديدة لا ضجيج لم أختر سماعه.
والمعيار في النهاية بسيط جدًا، حين يدخل إنسان معرض الكتاب مشتاقًا إليه بعد سنوات من الغياب ويريد أن يرى كل أركانه ثم لا يستطيع البقاء فيه أكثر من نصف ساعة فثمة شيء يحتاج إلى مراجعة.
ذهبت مساء أمس إلى معرض الكتاب وأنا أقول لنفسي، أخيرًا سأعيش معرض الكتاب في وطني
وخرجت وأنا أسأل، متى نتعلم أن الكتاب لكي يُسمَع لا يحتاج منا إلى أن نرفع الصوت... بل إلى أن نخفضه؟