أرقام الماليّة .. شواهد على بقاء "الموازنة " تحت مقصلة الدين العام
لما جمال العبسه
01-10-2026 11:49 AM
عاد ملف الدين العام ليتصدر المشهد الاقتصادي بعد أن أعلنت وزارة المالية في بياناتها الإحصائية الشهرية أن حجمه بلغ مستوى قياسي جديد عند 50.121 مليار دينار في نهاية تموز الماضي، أي ما يعادل 110.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ارتفاع يقارب 19% عن مستواه في نهاية العام الماضي، هذا الرقم يعزز من كون المديونية العامة أبرز مشكلات الاقتصاد الوطني، ويؤكد أن الأزمة تتفاقم بوتيرة متسارعة.
الأرقام الرسمية المنشورة والتي تتبع منذ سنوات نهج الفصل بين إجمالي الدين العام وصافي الدين العام هي فقط للتقليل من نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي، حيث يستثني الأخير دين صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي الذي بلغ في نهاية تموز 11.982 مليار دينار، وهذا الأسلوب يهدف إلى تقليص النسبة الظاهرية لحجم الدين، لكنه لا يلغي الحقيقة بأن هذه المبالغ التزامات حقيقية محملة بفوائد واجبة السداد، ما يجعل إجمالي الدين العام المؤشر الأكثر شفافية لقياس عمق الفجوة المالية.
تفاصيل المديونية تكشف أن معظم الأموال تتوجه إما لسداد ديون قديمة واستبدالها بأخرى جديدة أقل كلفة، أو لسد عجز الموازنة أو تغطية نفقات جارية، أي أن الاستدانة لا تُوظَّف لدعم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر أو لتمويل مشاريع إنتاجية، بل تدور في حلقة مغلقة تعيد إنتاج نفس المشكلة عبر السنوات، وبحسب ارقام الوزارة فإن خدمة الدين العام خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي بلغت نحو 1.5 مليار دينار، بزيادة 6.2% عن الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس تصاعد العبء المالي على الخزينة، وهذا المشهد الداخلي لا يمكن فصله عن التحولات في السياسة النقدية العالمية، إذ رفع الفيدرالي الأميركي الشهر الماضي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتتراوح بين 3.75%–4%، مع توقعات بمزيد من الرفع لكبح التضخم، ما يعني بالضرورة ارتفاع كلفة خدمة الدين العام عند إعادة التمويل، وزيادة عوائد سندات اليوروبوندز، وبالتالي حرمان الخزينة من فرص الوصول إلى أدوات اقتراض ميسرة أو منخفضة الكلفة.
المعضلة لا تكمن فقط في تراكم حجم الدين أو ارتفاع فوائده، بل في سوء توجيه إنفاقه، حيث تشير الأرقام إلى أن الأموال تُستهلك في تغطية النفقات الجارية على حساب الإنفاق الرأسمالي والتنموي القادر على توليد قيمة مضافة وتوسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وهذا الخلل يجعل الاعتماد على تقارير مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية أمراً مضللاً، فالتقييمات المستقرة تعكس فقط التزام الأردن التاريخي بسداد خدمة الدين، لكنها لا تعني قدرة الاقتصاد الذاتية على النمو أو خلق الوظائف.
وبالرغم من ذلك، فإن المديونية يمكن أن تتحول من قيد اقتصادي إلى أداة حل إذا ما تم اعتماد إصلاحات هيكلية جادة في إدارة الدين العام، وأول هذه الإصلاحات هو كسر حلقة الاستهلاك الحكومي الممول بالاقتراض عبر ضبط فعلي للنفقات الجارية، من خلال هيكلة المؤسسات المستقلة المترهلة ووقف نزيفها المالي فوراً، ومعالجة العجز المزمن في شركة الكهرباء الوطنية وسلطة المياه، وتعزيز جهود مكافحة التهرب الضريبي، ووضع خطة استراتيجية عملية لتوجيه فوائض الإصلاحات والسيولة المتاحة من أدوات الاقتراض الداخلي والخارجي حصريًا نحو الإنفاق الرأسمالي الإنتاجي.
الأرقام الصادرة عن وزارة المالية ليست مجرد بيانات جامدة، بل شواهد على استمرار بقاء الموازنة العامة مقيدة بالدين العام، وإذا لم يتم الانتقال من سياسة ترحيل الأزمة وتجميل البيانات التي تستنزف المستقبل إلى خطة إصلاحية جذرية، ستظل المالية العامة مكشوفة أمام تقلبات أسعار الفوائد العالمية، وسيبقى الاقتصاد الوطني أسير حلقة مفرغة من الاستدانة وسداد الديون دون تحقيق نمو حقيقي أو خلق فرص عمل.