استوقفتني مقالة الصديق والأخ العزيز الأستاذ الدكتور زيدان كفافي، رئيس جامعة اليرموك الأسبق، الموسومة (عودة لباريس) من 25/9 إلى 1/10/2026م، بما حملته من عبق الذكريات، وبهاء المكان، ودفء الحكايات. وقد طوّف بنا فيها بين معالم باريس التاريخية والحضارية، مستعيداً محطات من رحلته العلمية والإنسانية، فاستيقظ في النفس شوقٌ إلى تلك المدينة، وحنينٌ إلى أيامٍ جميلة، فكان عنوان خاطرتي :
خذني معك إلى باريس.
خذني معك إلى باريس يا أبا بشار؛ لا لأرى برج إيفل، ولا لأطوف في أروقة اللوفر، فهذه معالم تراها العيون، وإنما لأرى باريس بعينيك، وأستعيد معك حكاية المكان والزمان، وأتذوق من حديثك ما لا تمنحه خرائط المدن ولا أدلّة السياحة.
قرأت رحلتك، فلم أقرأ وصف مدينة فحسب، بل قرأت سيرة ودٍّ امتدّ عبر العقود، وذاكرة عالمٍ حمل وطنه في علمه، وأردنيٍّ ترك في باريس أثراً من الأردن، كما حمل منها ذكرى لا تمحوها السنون.
صديقي العزيز، د. زيدان كفافي، لقد جمعت في رحلتك بين بهاء المكان وبهجة الإنسان، وبين مهابة اللوفر ودفء الذكريات، فكانت عين غزال وميشع ومحارب شيحان شواهد على أن للأردن في ذاكرة العالم حجراً ينطق، وتاريخاً يشرق، وحضارةً لا تغيب.
أما أنا، فما شدّني إلى رحلتك برجٌ يلامس السماء، ولا كاتدرائية تعانق التاريخ، بل ذلك الوفاء الذي ظلّ يرافقك في تفاصيل الحكاية؛ وفاءٌ لرفاق العلم، وللأماكن، وللأيام التي لا تعود، وإن عادت صورها.
لقد جمعتنا جامعة اليرموك، فكنتَ رئيساً لها، وكنتُ أحد أبنائها العاملين فيها، ثم شاءت الأقدار أن نغادر ميدان العمل، لا ميدان المحبة؛ فالمناصب عابرة، والألقاب زائلة، أما الودّ الصادق فباقٍ ما بقي في القلب نبض، وفي الذاكرة متّسع للأوفياء.
خذني معك إلى باريس، يا أبا بشار، لأمشي معك في شوارعها، وأصغي إلى حكاياتك بين أزقتها، ولأقول لك إن أجمل المدن ليست تلك التي تزدحم بالمعالم، بل التي يصحبنا إليها أصدقاء لا يزدحم القلب إلا بمودتهم.
دمتَ أخاً عزيزاً، وصديقاً نبيلاً، وعالماً يشرّف وطنه، وتبقى بيننا المودة جسراً لا تقطعه المسافات، ولا تنال منه السنون.
فبعض الرحلات تنتهي بالعودة، وبعض الصداقات تبدأ ولا تعرف انتهاءً.