الدولة تنجح والمواطن ينتظر
سمير حمدان - بودابست
03-10-2026 09:10 AM
رواية الحكومة بين شرعية الاستقرار وشرعية المستقبل
قد تكون الحكومة ناجحة في استطلاعات الثقة، وصادقة في أرقامها، ومع ذلك تخطئ في قراءة ما يريده المواطن، وهذه أخطر مفارقة تكشفها المؤشرات الأردنية، فالمشكلة ليست نقص المعلومات، بل اختلاف المسطرة، الدولة تقيس الاستقرار والمشاريع والنمو والاستثمار، بينما يقيس المواطن النجاح بسؤال أبسط، ماذا تغير في حياتي ؟
في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية ربيع ٢٠٢٦، قال ثلثا الأردنيين تقريباً إنهم يثقون بالحكومة، لكن استطلاعات أخرى ترسم صورة أكثر تعقيداً، الاقتصاد يتقدم على قائمة المخاوف، والرضا عن فرص العمل والأسعار أضعف بكثير من الرضا عن الأمن، أي أن المواطن يستطيع أن يثق بمن يدير الدولة، من دون أن يكون راضياً عن حصته من نتائج إدارتها .
هنا يظهر الفرق بين «ثقة الدولة» و«ثقة المستقبل»، الأولى تتغذى من الأمن والمؤسسات والاستقرار، وهو إنجاز حقيقي في محيط شهد حروباً وانهيارات، أما الثانية فتُبنى من الوظيفة والدخل والتعليم وفرصة الصعود، لذلك يمكن للدولة أن تنجح في الأولى بينما تتأخر الثانية، من دون تناقض .
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية هذه المسافة، فالاقتصاد نما والاستثمار يتحرك، لكن بطالة الأردنيين بقيت قرب ٢١٪، بينما أظهر «الباروميتر العربي»، شبكة قياس اتجاهات الرأي العام في المنطقة، فجوة كبيرة بين الرضا عن حفظ الأمن والرضا عن خلق الوظائف، وسجل ضغوطاً معيشية على الأسر، هذه ليست صورة اقتصاد ينهار، بل اقتصاد لم تنتقل مكاسبه إلى الحياة اليومية بالسرعة نفسها التي ظهرت بها في المؤشرات الكلية .
حتى التفكير في الهجرة لأسباب اقتصادية يمكن قراءته ضمن الصورة نفسها، لا باعتباره القضية، بل إشارة إلى أن الثقة بالمؤسسات لا تعني تلقائياً الثقة بالفرصة الشخصية .
وللحكومة أدلتها أيضاً، برنامجها التنفيذي ٢٠٢٦–٢٠٢٩ يتضمن مئات المشاريع، واستثمارات كبيرة بالشراكة مع القطاع الخاص، ومنظومة واسعة لمؤشرات الأداء، لكن السؤال الاستراتيجي ليس كم مشروعاً أُطلق، بل كم مشكلة أُغلقت، فقياس نشاط الدولة أسهل من قياس أثره .
وهنا يصبح التمييز بين «الإنجاز» و«الأثر» ضرورياً، فافتتاح طريق أو إطلاق استثمار يمكن قياسه فوراً، أما قيمته الحقيقية فتظهر لاحقاً، هل خفّض الكلفة والوقت، هل رفع الإنتاجية والدخل، وهل خلق وظيفة تستمر؟ بهذا المعنى لا يكتمل المشروع عند افتتاحه، بل عندما يصبح التغيير قابلاً للقياس في حياة الناس .
حتى ٢٠٣٠ تظهر ثلاثة مسارات، الأول «الثقة بلا أثر»، تتحسن المؤشرات بينما تبقى الضغوط اليومية مرتفعة، والثاني «تآكل الرصيد»، يطول انتظار النتائج فتبدأ المشكلة الاقتصادية باستهلاك الثقة المؤسسية، والثالث «التقاء الروايتين»، حين تصبح الوظائف والدخول والفرص في التقارير هي نفسها التي تلمسها الأسر .
الوصول إلى الثالث يتطلب تغيير مسطرة النجاح، بحيث يخضع كل مشروع حكومي كبير إلى «اختبار أثر على المواطن» بعد عامين، يقيس الوظائف النوعية، والدخل الحقيقي، وكلفة الخدمات، والفوارق بين المحافظات، ويقارن الموعود بالمتحقق، فإذا تحسنت المؤشرات الكلية ولم يتحسن أثرها على الأسر، تُراجع السياسة لا طريقة شرحها .
ويحتاج الأردن إلى لوحة وطنية مختصرة تجمع بيانات الاقتصاد مع استطلاعات الأسر، لأن الأول يخبر الحكومة ماذا حدث للاقتصاد، والثاني يخبرها ماذا فعل الاقتصاد بالناس، والفارق بينهما يجب أن يصبح بحد ذاته مؤشراً حكومياً .
وهنا تتحول استطلاعات الرأي من قياس للشعبية إلى نظام إنذار مبكر، فالرقم المخالف للرواية ليس تهديداً للحكومة، بل معلومة قد تمنع خطأ أكبر .
أما المفارقة الأخيرة فهي أن ارتفاع الثقة ليس نهاية القصة، بل ربما بدايتها، فالمواطن الذي يمنح حكومته ثقته يمنحها أيضاً رصيداً ووقتاً وتوقعاً بأن يتحول الاستقرار إلى فرصة، لذلك قد يكون الرقم المرتفع أقل طمأنينة مما يبدو، لأنه لا يقول فقط إن المواطن راضٍ، بل يقول إنه ما زال ينتظر، وأخطر ما يمكن أن تفعله الحكومة هو أن تقرأ الانتظار باعتباره وصولاً .